رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٤
كالاعراض، فإذا قلنا: «الجسم أبيض» فالمحمول في الحقيقة ـ الّذي هو البياض ـ مستقل مفهوماً غير مستقل وجوداً، إذ هو قائم بالجسم ولولاه لما كان للبياض أثر في عالم الوجود.
وأمّا الثالث: فهو ما يكون غير مستقل لا تصوّراً ولا وجوداً، وذلك كالمعاني الحرفية، فإذا قلنا: «سرت من البصرة إلى الكوفة» فكلّ من لفظتي «من» و «إلى» يفيدان معنى مندكاً في المتعلّق، فالابتداء الحرفي كالانتهاء، لا يتصوّران مستقلين وانّما يتصوّران في ضمن الغير، و يتحققان في ضمنه فيكونان غير مستقلين وجوداً وتحقّقاً.
هذا التقسيم الثلاثي للوجود الإمكاني ـ كما قلنا في الهامش ـ إنّما هو بحسب الظاهر مع قطع النظر عن تعلّقه وقيامه بمبدأ المبادئ وواجب الوجود. وامّا بالنسبة إليه فتنقلب النسبة ويكون الجميع بالنسبة إليه كالوجود الرابط والمعنى الحرفي بالنسبة إلى المعنى الاسمي، كما سيوافيك بيانه.
الثالث: العلّة هو مفيض الوجود
العلّة عند الإلهي غيرها عند المادي، فالعلّة عند الإلهي يُطلق على مفيض الوجود، أي من يُفيض الوجود على الأشياء ويخرجها من العدم ويصيّرها موجودة بعد أن كانت معدومة.
وعلى ذلك فالمادة بذاتها وصورتها وجميع شؤونها معلولة لمن أعطاها الوجود والصورة وأخرجها من ظلمة العدم إلى حيّز الوجود.
وهذا بخلاف العلّة عند المادي فالعلّة عنده يطلق على المادة المتحوّلة إلى مادة أُخرى كالحطب المنقلب إلى رماد، والوقود المنقلب إلى طاقة، والكهرباء