رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠
ومرادهم من الواحد ليس هو الواحد بالنوع، بل الواحد البسيط البحت الّذي ليس فيه رائحة التركيب، فقالوا بأنّ مثل هذا لا يصدر إلاّ من علّة واحدة ويمتنع اجتماع علتين مستقلتين على مثله. وسيوافيك برهانه.
وأمّا المتكلّمون فقد اتفقت المجبرة (وتبعهم الأشاعرة) والمعتزلة على صحة القاعدة وإتقانها وأنّه يمتنع اجتماع قادرين على مقدور واحد لكن الأشاعرة لما فسّرت التوحيد في الخالقية، بأنّه لا خالق أصلياً ولا ظلياً إلاّ اللّه سبحانه، نفتْ دور العبد في أفعاله وجعلتها مخلوقة للّه سبحانه لا للعبد، وإلاّ فلو كان له دور فيها ـ مع اللّه سبحانه ـ يلزم اجتماع قادرين على مقدور واحد.
وكأنّهم اتخذوا القاعدة ذريعة لعقيدتهم في التوحيد في الخالقية على نحو لولا هذه القاعدة لأخذوا بها أيضاً.[١]
وأمّا المعتزلة[٢] فلمّا سلكوا مسلكاً يضاد مسلك المجبرة فقالوا بأنّ المؤثر في فعل العبد هو قدرة العبد وأنّ فعله منقطع عن اللّه سبحانه والعبد فاعله وخالقه، وإلاّ فلو كان للّه سبحانه دور فيها يلزم اجتماع قادرين على مقدور واحد.
فظهر انّ كلاً من الطائفتين اتّخذوا القاعدة ذريعة لمقاصدهم الكلامية، أمّا في حصر الخالقية في اللّه سبحانه، وإلاّ يلزم الاجتماع المحال، أو في قطع نسبة فعل العبد إلى اللّه وإلاّ يلزم المحذور المتقدّم.
ثمّ إنّ الأشاعرة ربما استأنسوا لإثبات القاعدة بما ذكره المعتزلة في تقرير برهان التمانع الّذي أُقيم لإثبات وحدة الواجب وسيوافيك شرحه.[٣]
[١] التمهيد في أُصول الدين للنسفي:٦٠.
[٢] التمهيد في أُصول الدين للنسفي:٦٧.
[٣] كشف المراد:٣٠٩; التوحيد لابن رُشيد:٦٢٥; المعتمد في أُصول الدين للملاحمي الخوارزمي: ٥٠٨.