رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٧
عن الاستدلال على مشروعيتها بالآيات المذكورة، وذلك لأنّ هذه المعاملات كانت سائدة بين الأُمم المتحضرة كما كانت رائجة في الجزيرة العربية أمام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وتشريعه السامي، فسكوته (صلى الله عليه وآله وسلم) يكفي في إمضائه فلو كانت محرّمة لردع عنها الصادع بالحق كما ردع عن الربا، وقال سبحانه: (قَالُوا إِنَّما الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)[١]. وكما نهى عن عدة من البيوع وأقسام من النكاح إلى غير ذلك.
فكلّ معاملة كانت سائدة في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وسكت عنها الشرع فهي ممضاة من قبله، وهل وراء إمضائه أمر آخر، «وهل قرية وراء عبادان».
الثانية: انّ الآيتين الأُوليين إنّما تكشفان عن مشروعية الإجارة في الأُمم والشرائع السابقة، فلا تكون دليلاً على مشروعيتها في الشريعة الإسلامية إلاّ على القول بحجية «شرع من قبلنا» فيما لم يكن فيه نص في شريعتنا أو باستصحاب الحكم الثابت في الشريعة السابقة وجرّه إلى الشريعة اللاحقة، وكلا الأمرين مورد بحث ونقاش، وعقد الاجارة الّذي ملأ الخافقين في عصر الرسالة وعمل به الناس في عصره من دون أي ردع، في غنى عن الاستدلال على جوازه بشرع من قبلنا، أو باستصحاب حكمه.
وأغرب من هذا تفسير الآية الأخيرة بفرض البعض غنياً والآخر فقيراً ليسخّر الأوّل الثاني بالاستئجار للخدمة والعمل.
إنّ هذا التفسير لا ينسجم مع قوله سبحانه:(نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) فانّ ظاهره انّه سبحانه أعطى لكلّ إنسان ما يعيش به غاية الأمر رفع بعضهم على بعض درجات، وأين هذا من تفسيرها بالفقير الّذي لا يجد ما
[١] البقرة:٢٧٥.