رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٧
يقول: لما دخل الأشعري بغداد جاء إلى البَرْبهاري فجعل يقول: رددت على الجبائي وعلى أبي هاشم، ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى والمجوس، وقلت وقالوا، وأكثرَ الكلامَ، فلمّا سكتَ قال البَرْبَهاري: وما أدري ممّا قلتَ لا قليلاً ولا كثيراً، ولا نعرف إلاّ ما قاله أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل، قال: فخرج من عنده وصنف كتاب «الإبانة» فلم يقبله منه، ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها.[١]
وما هذا إلاّ لأنّ الأشعري يستحسن الخوض في علم الكلام وقد ألف رسالة في استحسان الخوض في هذا العلم طبعت في حيدرآباد بالهند وقد جئنا بنصها كاملاً في الجزء الثاني من موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل».[٢]
وما ذلك إلاّ لأنّ «أهل السنة» كان يومذاك لقب مجموعة من المحدثين الذين لا يهمّهم إلاّ الحديث في عامة الحقول، حتّى أنّهم ضاقوا عن تسمية عدّة من المحدثين بأهل السنة، كعبد اللّه بن سعيد الكلاّب وأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن القلانسي والحارث بن أسد المحاسبي الذين يردّون على عقائد المعتزلة بالدليل العقلي مع أنّهم من أعاظم علماء السنة يوم ذاك. وربما كانت آراء هؤلاء الثلاثة في الرد على المعتزلة كنواة لمذهب الإمام الأشعري.
المشاجرة بين الحنابلة والأشاعرة
إنّ المنافرة والتباغض بين الحنابلة والأشاعرة كانت قائمة على قدم وساق مع أنّ الأشعري قد ظهر في الساحة بعنوان انّه ناصر السنة ومقتفي الإمام أحمد في العقائد، ولكنّه لمّا صبغ عقائد أهل السنة بصبغة كلامية خالفهم الحنابلة ولم
[١] تبيين كذب المفتري، قسم التعليقة:٣٩١.
[٢] بحوث في الملل والنحل:٢/٥١ـ ٦٧.