رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٦٢
ولعل الأجواء السياسية والاجتماعية المضطربة الّتي كانت سائدة في عصره، قد ساعدت في دفعه إلى اختيار هذا المسلك، حيث عاصر الغزو العسكري للبلاد الإسلامية من قِبَل التتار، وانهيار الدولة العباسية، وضعف المسلمين، وتغلّب الروح الانهزامية لدى معظم ساسة البلاد وقادتها، وشاهد بأُمّ عينيه تفشي الانحرافات في المجتمع وطغيان الروح المادية فيه.
هذا هو ابن كثير يعكس لنا في تاريخه، الوضع المؤسف السائد في بلاط الخلافة العباسي الّذي كان يرقص فيه الخليفة مع جواريه، وجيوش التتار أحاطت بسور دار السلام بغداد، ونصبوا عليه المجانيق والعرّادات، يقول:
قال اللّه تعالى: (إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْم سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وال)[١]، ثمّ قال: وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كلّ جانب حتّى أُصيبت جارية تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة خطاياه وكانت مولدة تسمّى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً، وأحضر السهم الّذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب: «إذا أراد اللّه إنفاذ قضائه وقدره أذهب عن ذوي العقول عقولهم» فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرة الستائر على دار الخلافة وكان قدوم هولاكو خان بجنوده كلها ـ و كانوا نحو مائتي ألف مقاتل ـ إلى بغداد في ثاني عشر المحرم من هذه السنة.[٢]
فـإذا كـان هـذا هـو حـال الخليفة ومقـدار اهتمـامـه بحفظ الخلافـة
[١] الرعد:١١.
[٢] البداة والنهاية:١٣/٢٠٠.