رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤١
الإطلاق، وحرمة طاعتهم إذا أمروا بالعصيان) أن يتحقق في أُولي الأمر الذين وجبت إطاعتهم على وجه الإطلاق، خصوصية ذاتية وعناية إلهية ربّانية، تصدّهم عن الأمر بالمعصية والنهي عن الطاعة. وليس هذا إلاّ عبارة أُخرى عن كونهم معصومين، وإلاّ فلو كانوا غير واقعين تحت تلك العناية، لما صحّ الأمر بإطاعتهم على وجه الإطلاق أي بدون قيد أو شرط. فنستكشف من إطلاق الأمر بالطاعة اشتمالَ المتعلّق على خصوصية تصدّه عن الأمر بغير الطاعة. وممّن صرّح بدلالة الآية على العصمة الإمام الرازي في تفسيره، ويطيب لي أن أذكر نصّه حتى يمعن فيه أبناء جلدته وأتباع طريقته، قال:
إنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ; إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ أن يكون قد أمر اللّه بمتابعته، فيكون ذ لك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهيّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وأنّه محال، فثبت أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كلّ من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً.[١]
بيد أنّ الرازي، وبعد أن قادته استدلالاته المنطقية إلى هذه الفكرة الثابتة المؤكّدة لوجوب العصمة بدأ يتهرّب من تبعة هذا الأمر، ولم يستثمر نتائج أفكاره، لا لسبب إلاّ لأنّها لا توافق مذهبه في تحديد الإمامة، فأخذ يؤوّل الآية ويحملها على غير ما ابتدأه وعمد إلى إثباته، حيث استدرك قائلاً بأنّا عاجزون عن معرفة
[١] مفاتيح الغيب(للرازي):١٠/١٤٤.