رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤٩
(وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً).[١]
(تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً).[٢]
ومثّل في «الجواهر» و قال: «اتّخذت من فلان صديقاً ناصحاً، ووهب اللّه لي من فلان أخاً مشفقاً».[٣]
ترى في هذه الموارد أنّ شيئاً عامّاً يؤخذ منه جزء لغرض، فالنحل تتخذ من الجبال جزءاً بصفة البيت، أو أنّهم كانوا يتّخذون من سهول الأرض قصوراً، أو أنّ الشيطان يتّخذ من عباد اللّه نصيباً، إلى غير ذلك.
فإذا كان هذا ظاهر هذه التراكيب، فالآية منزّلة على هذا النمط من الكلام، فيراد من «المقام» في الآية ما يجاوره ويقاربه تسميةً لما حول المقام باسمه، ضرورة أنّ المقام لا يتبعض لأخذ المصلّى منه، فعلى الطائف أن يأخذ جزءاً من هذا المقام المجازيّ مصلّى يصلّي فيه، وإطلاق الآية يعمّ الخلف وما حوله من اليمين واليسار، ولا يختصّ مفاده بالخلف; لأنّ المقام ـ حسب ما استظهرناه ـ هو المكان المتّسع قربَ المقام الحقيقي، المسوِّغ لتسمية ذلك المكان مقاماً أيضاً، فالموضوع هو الصلاة قربه.
فخرجنا بتلك النتيجة: أنّ المقام أُطلق وأُريد منه ما يجاوره ويليه، وأنّ «من» تبعيضيّة لا غير، وسائر الاحتمالات الأُخرى غير واضحة.
وعلى ضوء ما ذكرنا، فاللازم هو التصرّف في لفظ «المقام» على ما عرفت; وأمّا التصرف في الجار، أعني: «من» وجعله تارة بمعنى «في» و أُخرى
[١] النساء:٨٩.
[٢] النحل:٦٧.
[٣] الجواهر:١٩/٣١٩.