رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٥
…
الغريبة، فيظهر لمن تأمّل مصنوعات اللّه تعالى ومخلوقاته وخصوصاً في من نظر في تشريح بدن الإنسان، وهو يرى أنّ كلّ جزء من أجزائه له قوّة تجذب إليه الغذاء، إذ الغذاء يصل إلى جميع البدن، فخلق اللّه تعالى في كلّ جزء من أجزائه قوة تجذب إليه فضلاً من الغذاء، وهي القوة الجاذبة.
وقوّة تمسك الغذاء، لأنّ الغذاء لزج وذلك الموضع لزج فيزلق عنه ولا يحصل التغذي، فيؤدي ذلك إلى ضرر وفساد فاقتضت حكمة اللّه تعالى أن يخلق هناك قوة تمسك الغذاء وهي الماسكة.
وقوة تهضم الغذاء، أي تجعله مناسباً لطبيعة ذلك الجزء، إذ الغذاء منه ما يصير لحماً، ومنه ما يصير عظماً، ومنه ما يصير دماً، ومنه ما يصير جلداً، فاقتضت حكمة اللّه تعالى أن يخلق هناك قوّة تفعل ما ذكرناه، وهي الهاضمة.
وقوة تدفع الفضل، إذ الغذاء الّذي تأتي به القوة الجاذبة لا يصير كلّه جزءاً من ذلك، بل بعضه والباقي يصير فضلاً، فاقتضت حكمة الباري أن يخلق هناك قوة تدفع الفضل لئلاّ يبقى ويؤدّي إلى فساد ذلك الجزء، وهي القوة الدافعة، وهذا هو معنى الإحكام والإتقان الّذي ذكرناه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ).[١]
وأمّا بيان المقدّمة الثانية أعني قوله: وكلّ من كان كذلك....
أي وكلّ من فعل الأفعال المتقنة المحكمة كان عالماً، فبديهية، لأنّ العلم باستلزام ذلك الفاعل ضروري، إذ الجاهل لا يصدر عنه فعل المحكم المتقن.
فالمقدمة الأُولى حسيّة والثانية بديهية، والمقدّمتان ضروريتان، إذ الحسيّات من أقسام الضروريات، فيكون عالماً بالضرورة، وهو المطلوب.
[١] الذاريات:٢١.