رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٩
فاستمع إلى البيان التالي:
افـرض نفسـك فـي حـديقة زاهـرة غنّـاء، وأنت مستلـق لا تُبصـر أطرافك ولا تتنبّه إلى شـيء، ولا تتلامس أعضاءك، لئلاّ تحسّ بهـا، بل تكـون منفـرجـة، مرتخية فـي هـواء طلق، لا تحسّ فيـه بكيفيـة غـريبـة مـن حـرّ أو بـرد أو ما شـابه، ممّـا هو خارج عـن بدنك. فـإنّك فـي مثـل هــذه الحالـة تغفل عن كلّ شيء حتى عن أعضائك الظاهرة، وقواك الداخلية، فضلاً عن الأشياء التي حولك، إلاّ عن ذاتك، فلو كانت الروح نفسَ بدنك وأعضائك وجوارحك وجوانحك، للزم أن تغفـل عـن نفسك إذا غفلت عنها، والتجربة أثبتت خلافه.
وبكلمة مختصرة: «المغفول عنه، غير اللامغفول عنه». وبهذا يكون إدراك الإنسان نفسه من أوّل الإدراكات وأوضحها.
البرهان الثالث: عدم الانقسام آية التجرّد
الانقسام والتجزّؤ من آثار المادة، غير المنفكّة عنها، فكلّ موجود مادّي خاضع لهما بالقوة، وإذا عجز الإنسان عن تقسيم ذلك الموجود، فلأجل فقدانه أدواته اللازمة. ولأجل ذلك ذكر الفلاسفة في محلّه، بطلان الجزء الذي لا تتجزّأ. وما يسمّيه علم الفيزياء، جزءاً لا يتجزأ، فإنّما هو غير متجزّئ بالحسّ، لعدم الأدوات اللازمة، وأمّا عقلاً فهو منقسم مهما تناهى الانقسام، لأنّه إذا لم يمكن الانقسام، لصغره وعجز الوهم عن استحضار ما يريد أن يقسّمه ـ حتى بالمكبّرات ـ لكن العقل يتمكن من فرض انقسامه بأن يفرض فيه شيئاً غير شيء، فحكم بأنّ كلّ جزء منه يتجزّأ إلى غير النهاية، ومعنى عدم الوقوف أنّه لا ينتهي