رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٧
الأُولى: أنّ هنـاك مـوجـوداً تنسب إليـه جميع الأفعال الصادرة عن الإنسان، ذهنية كانت أو بدنية. ولهذا الموجود حقيقة، وواقعية يشار إليها بكلمة «أنا».
الثانية: أنّ هذه الحقيقة التي تعدّ مصدراً لأفعال الإنسان، ثابتة وباقية ومستمرة في مهبّ التغيرات، وهذه آية التجرّد.
أمّا المقدّمة الأُولى، فهي غنية عن البيان، لأنّ كلّ واحد منّا ينسب أعضاءه إلى نفسه ويقول: يد، رجلي، عيني، أذني، قلبي،... كما ينسب أفعاله إليها، ويقول: قرأت، كتبت، أردت، أحببت، وهذا ممّا يتساوى فيه الإلهي والمادي ولا ينكره أحد، وهو بقوله: «أنا» و «نفسي»، يحكي عن حقيقة من الحقائق الكونية، غير أنّ اشتغاله بالأعمال الجسمية، يصرفه عن التعمّق في أمر هذا المصدر والمبدأ، وربّما يتخيّل أنّه هو البدن، ولكنّه سرعان ما يرجع عنه إذا أمعن قليلاً حيث إنّه ينسب مجموع بدنه إلى تلك النفس المعبّر عنها بـ«أنا». ويقول بدني.
وأمّا المقدّمة الثانية: فكلّ واحد منّا يحسّ بأنّ نفسه باقية ثابتة في دوامه التغيّرات والتحوّلات التي تطرأ على جسمه، فمع أنّه يوصف تارة بالطفولة، وأُخرى بالصبا، وثالثة بالشباب، ورابعة بالكهولة، فمع ذلك يبقى هناك شيء واحد يُسند إليه جميع هذه الحالات، فيقول: أنا الذي كنت طفلاً ثم صرت صبياً، فشاباً، فكهلاً، وكلّ إنسان يحسّ بأنّ في ذاته حقيقة باقية وثابتة رغم تغيّر الأحوال وتصرّم الأزمنة; فلو كانت تلك الحقيقة التي يحمل عليها تلك الصفات أمراً مادياً، مشمولاً لسنّة التغيّر، و التبدّل، لم يصحّ حمل تلك الصفات على شيء واحد، حتى يقول: أنا الذي كتبت هـذا الخط يوم كنت صبياً أو شابّاً، فلولا وجود شيء ثابت ومستمـر إلى زمان النطق، للزم كذب القضية، وعدم صحّتها،