رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٥
إنّ القرآن يجيب عن شبهة القوم ـ أعني: ضلال الإنسان بموته وتشتّت أجزاء بدنه في الأرض ـ بجوابين:
أوّلهما: قوله: (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ).
وثانيهما: قوله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ).
والأوّل: راجع إلى بيان باعث الإنكار، وهو أنّ السبب الواقعي لإنكار المعاد، ليس ما يتقوّلونه بألسنتهم من ضلال الإنسان وتفرّق أجزاء بدنه في الأرض، وإنّما هو ناشئ من تبنّيهم موقفاً سلبياً في مجال لقاء اللّه، فصار ذلك مبدأ للإنكار.
والثاني: جواب عقلي عن هذا السؤال، وتُعلم حقيقتُه بالإمعان في معنى لفظ «التوفّي»، فهو وإن كان يفسّر بالموت، ولكنّه تفسير باللازم، والمعنى الحقيقي له هو الأخذ تماماً. وقد نصّ على ذلك أئمّة أهل اللغة، قال ابن منظور في «اللسان»:«توفّي فلان وتوفّاه اللّه: إذا قبض نفسه، وتوفَّيْتُ المال منه، واستوفيته: إذا أخذته كلّه، وتوفّيت عدد القوم: إذا عددتهم كلّهم. وأنشد أبو عبيدة:
إنّ بني الأدرد ليسوا من أحد *** ولا توفّاهم قريش في العـدد
أي لا تجعلهم قريش تمام عددهم ولا تستوفي بهم عددهم».[١]
إنّ آيات القرآن الكريم بنفسها كافية في ذلك، وأنّ التوفّي ليس بمعنى الموت، بل بمعنى الأخذ تماماً الّذي ربّما يتصادقان، يقول سبحانه: (اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالّتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِها)[٢]. فإنّ لفظة «التي»، معطوفة على
[١] لسان العرب:١٥/٤٠٠، مادة «وفى».
[٢] الزمر:٤٢.