رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٩٥
أمام الأعداء، وسهل على جيوش التتار أن تحتل بلادهم واحداً بعد الآخر وتنزل بهم من البلاء والعذاب ما تقشعر له الجلود، وما يعجز القلم عن وصفه.
فتوجه التتار إلى البلاد الإسلامية واحتلوها ابتداءً من المشرق إلى ان وصلوا إلى دار السلام بغداد فازالوا الخلافة العباسية وجرّعوا المسلمين كؤوس البلاء والعذاب على نحو لا يستطيع ابن الأثير الجزري أن يسرد تلك الحوادث المرّة فيقول، في حوادث سنة ٦١٧هـ، عند ذكر خروج التتار إلى بلاد الإسلام:
لقد بقيتُ عدّة سنين مُعرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدّم إليه رِجلاً و أُؤخّر أُخرى، فمن الّذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الّذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أُمّي لم تلدني، ويا ليتني مُتّ قبل حدوثها وكنتُ نَسياً منسيّاً، إلاّ أنّي حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقّف، ثمّ رأيتُ أن ترك ذلك لا يجدي نفعاً، فنقول: هذا الفعل يتضمّن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى الّتي عقمت الأيّام والليالي عن مثلها، عمّت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إنّ العالم مذ خلق اللّه سبحانه وتعالى آدم، وإلى الآن، لم يُبْتَلَوا بمثلها; لكان صادقاً، فإنّ التواريخ لم تتضمّن ما يقاربها ولا ما يُدانيها.
ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بخت نصّر ببني إسرائيل من القتل، وتخريب البيت المقدّس، وما البيت المقدّس بالنسبة إلى ما خرّب هؤلاء الملاعين من البلاد، الّتي كلّ مدينة منها أضعاف البيت المقدّس، وما «بنو إسرائيل» بالنسبة إلى من قتلوا، فانّ أهل مدينة واحدة ممّن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعلّ الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم، وتفنى الدنيا، إلاّ يأجوج ومأجوج.