رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٦
وقال التفتازاني في مبحث المعاد: إنّ المعاد عند الحكماء روحاني فقط، وعند جمهور المسلمين جسماني فقط بناء على أنّ الروح جسم لطيف، وعند المحقّقين منهم كالغزالي، والحليمي، والراغب، والقاضي، وأبي زيد: روحاني وجسماني ذهاباً إلى تجرد النفس، وعليه أكثر الصوفية والشيعة والكرامية، وليس بتناسخ، لأنّه عود في الدنيا إلى بدن ما، وهذا عود في الآخرة إلى بدن من الأجزاء الأصلية للبدن الأوّل، والقول بأنّه ليس هو الأوّل بعينه لا يضر، وربما يؤيد بقوله تعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَها)[١] وقوله تعالى:(أَوَ لَيْسَ الّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ بِقَادِر عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى)[٢].[٣]
وهذه الكلمات من أساطين الكلام تكشف عن أنّ مرادهم من الإعادة هو المثلية لا العينية على وجه الدقة، فيكفي في صدق المعاد جمع الأجزاء الباقية أو خلقها ثانياً فإنّه إعادة للأوّل عرفاً وإن لم يكن إعادة بالدقة.
وبذلك يستغني المتكلّمون عن إقامة البرهان على الجواز، لما عرفت من أنّ مصبّ الحوار عندهم غير مصبّ المنع عند الحكماء ومع ذلك نذكر ما استدلوا به على الجواز.
استدلال المجوّزين لإعادة المعدوم
استدلّ القائلون بالجواز بوجوه:
الأوّل: إنّ عود الوجود للمعدوم بعد الوجود، لو كان ممتنعاً، لكان ذلك الامتناع مستنداً، إمّا إلى ماهية المعدوم نفسها، أو إلى لازمها، وإمّا إلى عارض من
[١] النساء:٥٦.
[٢] يس:٨١.
[٣] شرح المقاصد:٤/٨٨.