رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥١
الإنصاف، هو المنطلق في نظرتكم إلى معاوية بن أبي سفيان أيضاً.
فيزيد المتفق على فسقه وفجوره، لم يكن ليقترف ما يقترف من جرائم، لولا سعي أبيه الجادّ وبكل الوسائل غير النزيهة ـ كما حفلت بذكر ذلك التواريخ ـ إلى تنصيبه ملكاً، وتسليطه على المسلمين.
والداهية الكبرى، هي أنّ أباه كان يعلم علم اليقين بما تنطوي عليه شخصية ولده من رجس ودنس، ولكنّ عدم مبالاته بالأُمّة واستهزاءه بالشريعة وهواه في ولده (كما أعرب هو بنفسه عن ذلك بقوله: لولا هواي في يزيد لأبصرت قصدي ـ أو طريقي ـ)[١] ، كلّ ذلك وغيره، هو الّذي دفعه إلى اتخاذ هذا الموقف المُشين.
ليت شعري، هل كان خفيَ عليه ما قاله ولده يزيد في الجيش الّذي أصابه الجوع والمرض عند غزوه للقسطنطينية، وكان يزيد قد تخلّف عنه، فأنشا يقول:
ما إن أُبالي بما لاقت جموعهمُ *** بالفرقدونة من حمّى و من مومِ
إذا اتكأتُ على الأنماط مرتفقا *** بديْر مرّان عندي أمّ كلثوم[٢]
فطوبى لك يا أبا يزيد، إذ مكّنتَ يزيد الابنَ المدلّل المائع من العرش، ليزيد في عدد صفحات حياتك السوداء، وليكن موبقة من موبقاتك الكثيرة، والّتي لم يذكر منها الحسن البصري سوى أربعة، وكفى بها لمن أبصر واعتبر، قال(رحمه الله):(أربع خصال كنّ في معاوية، لو لم تكن فيه إلاّ واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأُمة بالسيف حتّى أخذ الأمر من غير شورة وفيهم بقايا
[١] تاريخ مدينة دمشق:٦٥/٣٩٥، برقم ٨٣٤٩(ترجمة يزيد).
[٢] الكامل في التاريخ:٣/٤٥٨ـ ٤٥٩(سنة ٤٩هـ)، وفيه: أنّ أُمّ كلثوم امرأته، وهي ابنة عبد اللّه بن عامر.