دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٤٣ - الأول هل القطع حجّة سواء صادف الواقع أم لم يصادف
واقعا، فرجّح استحقاق العقاب بفعله، الّا أن يعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة، فإنّه لا يبعد عدم استحقاق العقاب عليه مطلقا، أو في بعض الموارد، نظرا إلى معارضة الجهة الواقعيّة للجهة الظاهريّة فإنّ قبح التجرّي عندنا ليس ذاتيّا، بل يختلف بالوجوه
إلزامي سواء كان بالاعتقاد الجزمي أو الظني المعتبر فلا يخلو الأمر؛ إمّا أن يكون موافقا للواقع أو مخالفا له، و على الثاني؛ إمّا أن يكون الحكم الواقعي المخالف لما اعتقده حكما إلزاميا كالوجوب أو غير إلزامي كالإباحة و الاستحباب، و على تقدير كونه إلزاميا لا يخلو؛ إمّا أن يكون تعبّديا يعتبر في سقوطه قصد القربة، أو توصّليا، فإن كان موافقا للواقع فليس عليه إلّا عقاب واحد، و يأتي في كلام المصنّف ; حيث نسب إلى صاحب الفصول القول بتداخل العقاب فيما لو صادف التجرّي المعصية، فإن كان مخالفا للواقع و كان الواقع حكما غير إلزامي أو إلزاميا تعبّديا فيحكم باستحقاق العقاب على مخالفة ما اعتقده.
نعم، لو كان الواقع حكما إلزاميا توصّليا كما أشار اليه بقوله: (تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة) فيحكم بعدم استحقاق العقاب عليه (مطلقا) أي: سواء كانت مصلحة الواقع أقوى من مفسدة التجرّي أو مساوية لها أو (في بعض الموارد) أي: فيما لم تكن الجهة الظاهرية غالبة على الجهة الواقعية، و أمّا إذا كانت مفسدة التجرّي أقوى، فيحكم حينئذ بقبحه.
قوله: (غير مشروط بقصد القربة) التقييد بقصد القربة يكون لإخراج الواجب التعبّدي اذ لا يتصوّر في مورده التعارض بين المصلحة الواقعية في الواجب مع المفسدة الظاهرية في التجرّي حتى يرتفع قبحه، لأنّ الواجب التعبّدي من دون قصد القربة لا مصلحة فيه، و قصد القربة لا يتمشّى من المكلّف مع اعتقاده بالحرمة، إذ لا يتقرّب بفعل الحرام، فيختصّ التعارض بين الجهة الواقعية و الجهة الظاهرية بالواجب التوصّلي.
فتحصّل ممّا ذكر أنّ الأقوال في مسألة التجرّي ثلاثة:
الأول: قول المشهور، فيقولون: إنّ التجرّي علّة للقبح من حيث الفعل مطلقا.
و الثاني: ما عند المصنّف ; من أنّ التجرّي علّة للقبح من حيث الفاعل مطلقا.
و الثالث: هو التفصيل المنسوب إلى صاحب الفصول.
ثم الدليل و الوجه على تفصيل صاحب الفصول: