بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ١٥٦ - فصل في المسجد الشريف النبوى و عمارته
و لا تحمل النخل المقيمة ربها* * * اذا أصبحت ريا و أصبح ثاويا
و كان أبو قيس هذا قد ترهب في الجاهلية و هم بالنصرانية و اعتزل من الجاهلية و دخل بيتا له و اتخذه مسجدا و قال أعبد رب ابراهيم و قدم النبي ٦ و هو شيخ كبير فأسلم و حسن اسلامه و له أشعار حسان من محاسنها قوله.
يقول أبو قيس و أصبح غاديا* * * ألا ما استطعتم من وصاتي فافعلوا
و أوصيكم بالله و البر و التقى* * * و اعراضكم و البر بالله أوّل
و ان قومكم سادوا فلا تحسدونهم* * * و ان كنتم أهل الرئاسة فاعدلوا
و ان نزلت احدى الدواهي بقومكم* * * فأنفسكم دور العشيرة فاجعلوا
و ان ناب غرم فادح فارفدوهم* * * و ما حملوكم في الملمات فاحملوا
و ان انتم أمعرتم فتعففوا* * * و ان كان فضل الخير فيكم فافضلوا
[فصل: في المسجد الشريف النبوى و عمارته]
«فصل» اعلم ان المسجد الشريف في دار بنى غنم بن مالك بن النجار و هو حيث مبرك الراحلة و كان كما ورد في الصحيح مربدا للتمر لسهل و سهيل بني رافع بن عمرو غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة و كان يصلى فيه يومئذ رجال من المسلمين و أرسل رسول اللّه ٦ الى بنى النجار فقال ثامنونى بحائطكم هذا فقالوا لا و اللّه ما نطلب ثمنه الا الى الله و لما كان لليتيمين لم يقبله الا بالثمن قيل اشتراه بعشرة دنانير ذهبا دفعها عنه أبو بكر ثم ابتدأ ٦ حجة قال انما أخذه من قول الشاعر و ذكر البيت (ثاويا) أي هالكا (غاديا) بمعجمة ممدودة من الغدو و هو الذهاب بكرة و قد يراد به مطلق الخروج أي وقت كان و يريد هنا بقوله غاديا الغدو الى القبر (وصاتي) الوصاة الوصية (فلا تحسدونهم) باثبات النون في تحسدونهم و كان حقها أن تسقط بلا الناهية الا انها قد تهمل حملا على أختها ما (فانفسكم) منصوب على انه مفعول لقوله فاجعلوا (غرم) بغين معجمة مضمومة فراء ساكنة هو ما يجب أداؤه كالدين و نحوه (فادح) ما يفدح حمله أي يشق حمله و منه قولهم خطب فادح أي لا تطيقه النفوس و يشق عليها احتماله (أرفدوهم) من الرفد بكسر الراء العطاء (الملمات) جمع ملمة و هي الحادثة التي تلم بالانسان أي تنزل به (أمعرتم) بعين مهملة فراء أي افتقرتم يقال أمعر الرجل اذا خلت يده من المال (فضل) بالضاد المعجمة الفضل الزيادة يقول اذا افتقرتم فكونوا اعفة و اذا كان عندكم في أموالكم فضل فتفضلوا بها على غيركم.
(فصل) و اعلم ان المسجد الشريف (حيث مبرك الراحلة) كما تقدم ذكره (ثامنونى) بمثلثة ممدودة أى اتفقوا معي على ثمنه في السيرة فقال له معاذ بن عفراء هو يا رسول اللّه لسهل و سهيل بني عمرو و هما