بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ١٣٠ - مطلب في بدء اسلام الأنصار و قصة الإسراء
جبريل و انقطعت عنه الاصوات و سمع صريف الاقلام في اللوح المحفوظ ثم سمع كلام المولى فأوحى إليه ما أوحى و اتحفه بأنواع التحف و الزلفى و رأى من آيات ربه الكبرى على ما نطق به الكتاب العزيز في قوله تعالى «وَ النَّجْمِ إِذا هَوى» و أثبت رؤيته لربه ليلتئذ جماهير الصحابة و العلماء من غير إدراك و لا إحاطة و لا تكييف بحد و لا انتهاء (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أفضل ما صلى على احد من عباده الذين اصطفي و قيل كان الاسراء سنة ست أو خمس من المبعث و قيل لسنة و ثلاثة أشهر منه و الصواب ما قدمناه أولا و جزم النووي في شرح صحيح مسلم انه كان ليلة الاثنين ليلة سبع و عشرين من شهر ربيع الاول و كذلك في فتاويه و في سيرة الروضة له انه كان في رجب و قال غيره في رمضان و اختلف هل كان بروحه و جسده يقظة أو بروحه فقط مناما مع اتفاقهم ان رؤيا الأنبياء وحي و اختلافهم بحسب اختلاف الروايات في ذلك و الصحيح الاول انه بالروح و الجسد و طريقة الجمع بينهما أن يقال كان ذلك مرتين أولاهما مناما قبل الوحي كما في حديث شريك ثم اسرى به يقظة بعد الوحي تحقيقا لرؤياه و الاشهر الاول (صريف الاقلام) بمهملة مفتوحة فراء مكسورة فتحتية صوت جريانها على اللوح (فأوحي إليه ما أوحي) أوحي جبريل الى رسول اللّه ٦ ما أوحي إليه ربه هذا معنى ما روى عن ابن عباس قيل أوحي إليه أ لم يجدك يتيما فآوى الى قوله وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ و قيل أوحي إليه ان الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت و على الامم حتى تدخلها أمتك (و أتحفه) التحفة ما يهيأ للمسافر عند قدومه (و الزلفى) هي القربة (و النجم) أي الثريا (اذا هوى) أي سقطت و غابت هذا ما في رواية عن ابن عباس و روى عكرمة عنه انها الرجوم من النجوم و هى التي ترمى بها الشياطين عند استراقهم السمع و روي عطاء عنه انه القرآن و قيل أراد النجوم كلها و قيل النجم النبت الذي لا ساق له كاليقطين و هويه سقوطه على الارض. و قال جعفر الصادق يعني محمدا ٦ اذ نزل من السماء ليلة المعراج (و أثبتت) ماض من الاثبات (رؤيته) بالنصب مفعول و فاعله جماهير (ليلتئذ) أى ليلة الاسراء (من غير ادراك و لا احاطة) هما هنا واحد و الثانى تفسير للأوّل و فيه اشارة الى الرد على مانع الرؤية بقوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ و سيأتي ما فيه (عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى) يعني الأنبياء و المرسلين (و قيل كان الاسراء) قبل البعثة كما في رواية شريك ابن أبي نمر و قيل (سنة ست أو خمس من المبعث و قيل لسنة) و شهرين و قيل (و ثلاثة أشهر) و قيل و خمسة أشهر و قيل لسنة و نصف و قيل لثلاث سنين (انه كان في رجب) أى ليلة سبع و عشرين منه (و قال غيره) كالواقدي (في رمضان) و قال الماوردي في شوال (و الصحيح الاول انه بالروح و الجسد) أى لتواتر الاخبار الصحيحة بذلك و هو ظاهر القرآن (و طريقة الجمع بينهما ان يقال كان ذلك مرتين) بل ذكر أبو شامة ان مجموع أحاديث الاسراء و ما فيها من الاختلاف يقتضي ان الاسراء كان أربع مرات (كما في حديث شريك)