بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٩٤ - مطلب في الكلام على الهجرة الأولى الى الحبشة و بيان من هاجر إليها من الأصحاب
إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَ لَسَوْفَ يَرْضى* قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس أ كان المشركون يبلغون من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) ما يعذرون به في ترك دينهم قال نعم و اللّه ان كانوا ليضربون أحدهم و يجيعونه و يعطشونه حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من الضر حتى يقولوا له اللات و العزى إلهك من دون اللّه فيقول نعم و كذلك فعل معهم عمار حين غطوه في بئر ميمون و قالوا له اكفر بمحمد فاعطاهم ذلك فاخبر رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) فقال كلا ان عمارا ملئ إيمانا من قرنه الى قدمه و اختلط الايمان بلحمه و دمه ثم أتي رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) فاخبره فقال كيف وجدت قبلك قال مطمئنا بالايمان فجعل رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) يمسح دمعه و قال ان عادوا لك فعد لهم بما قلت و نزل فيه و في أمثاله قوله تعالى مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ الآية.
[مطلب في الكلام على الهجرة الأولى الى الحبشة و بيان من هاجر إليها من الأصحاب]
و في رجب في الخامسة من المبعث كانت هجرة الحبشة. و قد ذكر ابن إسحاق و غيره فيها أخبارا عجيبة عليها نزلت حين قال المشركون ما فعل ذلك أبو بكر لبلال إلا ليد كانت له عنده (الا) أى لكن فعل ذلك (ابتغاء) أي طلب (وجه ربه الاعلى) و طلب رضاه (و لسوف يرضي) في الآخرة بما يعطيه اللّه عز و جل من الجنة و الكرامة جزاء على ما فعل. و اذا كانت الآية في أبي بكر كان فيه معنى لطيف و هو مشاكلة موعوده و هو و لسوف يرضي بموعود رسول اللّه ٦ و هو و لسوف يعطيك ربك فترضى و يكون فيه اشارة الى مقام الشفاعة و ان أبا بكر يكون له فيها أثرة على الصديقين كما لرسول اللّه ٦ فيها أثرة على سائر المرسلين و اللّه أعلم (قال سعيد بن جبير) هو الوائلى مولاهم يكني أبا محمد و أبا عبد اللّه أحد اعلام الدين قتل بشعبان شهيدا سنة خمس و تسعين (من الضر) بضم الضاد و فتحها (كلا) هو نفى و ابعاد (ملئ ايمانا من قرنه الى قدمه) للنسائي من حديث عمرو بن شرحبيل عن رجل من أصحاب النبيّ ملئ عمار ايمانا من قرنه الى مشاشه و هو بضم الميم ثم بمعجمتين بينهما ألف ساكنة جمع مشاشة و هي رءوس العظام و هذا للمبالغة في وصف قوة ايمان عمار أي لو كان الايمان جسما لملأ ما ذكر و خالط لحمه و دمه (ثم انى رسول اللّه (صلي اللّه عليه و سلم)) في تفسير البغوي و غيره قال له النبي ٦ ما وراءك قال شر يا رسول اللّه نلت منك و ذكره (فجعل رسول اللّه ٦ يمسح دمعه) فيه ما كان عليه (صلي اللّه عليه و سلم) من شدة الرحمة و الشفقة (ان عادوا لك) أي بالاكراه على الكفر (فعدلهم) بمقالتك فإنها لا تضرك مع كون قلبك مطمئنا بالايمان و الامر فيه للاباحة و الا فمن اكره على الكفر فالترك في حقه أولى (فائدة) أخرج الترمذي و الحاكم من حديث عائشة ما خير عمار بين شيئين الا اختار أيسرهما فلعل الاشارة منه الى الواقع له في هذه القصة و فيه منقبة له فان ذلك من وصف رسول اللّه ٦ كما سيأتي في شمائله (و نزلت فيه و في أمثاله) أي كصهيب و بلال و خباب و سالم (من كفر باللّه من بعد ايمانه) جوابه فعليهم غضب و الاستثناء متوسط بينهما و عدم كفر المكره بالاجماع. حديث هجرة