بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٦٢ - مطلب في بدء نبوته (صلي اللّه عليه و سلم) و ظهور جبريل له بغراء حراء
و هو التعبد الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع الى أهله و يتزود لذلك ثم ينزع الى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق و هو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذنى فغطنى حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذنى فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فغطنى الثالثة ثم أرسلني فقال اقرأ بسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ و ربك الاكرم الذي علم بالقلم فرجع بها رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) يرجف فؤاده كما مر (و هو التعبد) مدرج في الحديث قطعا. قال ابن حجر و هو محتمل ان يكون من كلام عروة أو من دونه قال و جزم الطيبى بأنه من تفسير الزهري و لم يذكر دليله (الليالي) بالنصب على الظرف و تعلقه بيتحنث لا بالتعبد لما مر ان التعبد مدرج (ذوات) بكسر التاء منصوب و في مسلم أولات (العدد) في رواية ابن إسحاق انه كان يعتكف شهر رمضان. قال في الديباج و له شاهد قوي و في صحيح مسلم جاورت نحو شهر (قبل ان ينزع) بالزاي و المهملة كيرجع و زنا و معنى (الى أهله) يعني خديجة (لمثلها) أي الليالي (جاءه الحق) لمسلم فجئه بكسر الجيم و فتحها و همزة أي بغته الامر الحق (فجاءه) الفاء للتفسير لا للتعقيب لان مجيء الملك ليس بعد مجيء الحق حتى يعقب به بل هو نفسه (ما) نافية و قيل استفهامية و هو مردود بدخول الباء في الخبر (أنا بقارئ) أى ما أحسن القراءة (فائدة) أخبرنا شيخنا وجيه الدين عبد الرحمن بن عبد الكريم ابن زياد عن شيخه وجيه الدين عبد الرحمن الديبع عن مشايخه انه ورد في بعض المسندات انه ٦ نطق فيها بقاف الحجاز المترددة بين القاف و الكاف (فغطني) بمعجمة فمهملة و للطبري و ابن إسحاق فغتني بالفوقية بدل الطاء و لابن أبي شيبة فعمني و يروى سأبني و السأب بالمهملة و الهمزة و الموحدة و معنى الكل عصرني و ضمني و خنقني كما في مسند الطيالسي فأخذ بحلقي (حتى بلغ مني الجهد) بفتح الجيم و ضمها لغتان و الفتح أفصح و هو المشقة و برفع الدال أي بلغ مني الجهد مبلغه و غايته و نصبها أى بلغ جبريل أو الغط مني الجهد و الحكمة في ذلك شغله عن الالتفات لشيء آخر و اظهار الشدة و الجد في الامر تنبيها على ثقل القول الذي سيلقى إليه و قيل ابعاد ظن التخييل و الوسوسة لانهما ليسا من صفات الاجسام فلما وقع ذلك بجسمه علم انه من أمر اللّه و للسهيلي في تأويل الغطات كلام ذكره المصنف و ذكر بعضهم ان هذا يعد من خصائصه اذ لم ينقل عن أحد من الأنبياء انه جرى له عند ابتداء الوحي مثل ذلك و ذكر ابن إسحاق عن عبيد بن عمير انه وقع له قبل ذلك في المنام نظير ما وقع له في اليقظة من الغط و الامر بالقراءة و كان ذلك في شهر ربيع الاول كما أفاده بعضهم (ثم أرسلني) أى أطلقني اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أى لا بحولك و قوتك و معرفتك (الذي خلق) صفة تناسب ما حصل بالغط و جعله توطئة لقوله بعد خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ إيذانا بأن الانسان أشرف المخلوقات عَلَّمَ بِالْقَلَمِ فيه تذكير بأفضل النعم بعد الخلق و فيه اشارة الى حصول العلم له بلا واسطة بأنه ٦ لم يكن يكتب حتى تعلم بالقلم عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ فيه اشارة الى العلم اللدني الحاصل بدون واسطة و إيذانا بان قوله ٦ ما أنا بقارئ ما أحسن القراءة بواسطة التعليم بالقلم (فرجع بها) أى بالآيات (يرجف) بضم الجيم أى يخفق و يضطرب (فؤاده) أى قلبه و في رواية بوادره بالموحدة