بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٦١ - مطلب في بدء نبوته (صلي اللّه عليه و سلم) و ظهور جبريل له بغراء حراء
[مطلب في بدء نبوته (صلي اللّه عليه و سلم) و ظهور جبريل له بغراء حراء]
عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت اول ما بدئ به رسول اللّه (صلى اللّه تعالى عليه و آله و سلم) من الوحى الرؤيا الصالحة في النوم و كان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه بالمهملة و القاف مصغر كان حافظا مأمونا مات سنة احدى و أربعين و مائة (عن ابن شهاب) هو الزهري محمد ابن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن شهاب الذي شج رسول اللّه ٦ يوم أحد ثم أسلم كان أحد أئمة الدين. قال ابن المديني له نحو ألفى حديث و قال مرة أخري أسند أكثر من ألف حديث و حديثه ألفان و مائتا حديث نصفها مسندة مات في رمضان سنة أربع و عشرين و مائة (عن عائشة) هو مرسل صحابية فانها لم تدرك بدء الوحى فاما أن تكون سمعته منه ٦ أو من غيره من الصحابة و يؤيد سماعها منه قال الحافظ ابن حجر قولها في اثناء الحديث قال و أخذنى فغطني (أول ما) ما نكرة موصوفة أي أوّل شيء (من الوحي) من بيانية أو تبعيضية أي من أقسام الوحي و أوّل ما بديء به من دلائل النبوة مطلقا أشياء كثيرة و قد مر ذكر بعضها في كلام المصنف منها تسليم الحجر (الرؤيا) مصدر كالرجعي و تختص بالنوم كاختصاص الرأي بالقلب و الرؤية بالعين (الصالحة) بالرفع و في صحيح البخاري في التفسير الصادقة و هما بمعنى و صلاحها اما باعتبار صورتها أو تعبيرها كما أشار إليه الخطابي (فى النوم) صفة موضحة قال في التوشيح أو ليخرج رؤية العين في اليقظة لاحتمال أن يطلق عليها مجازا (مثل) بالنصب على الحال (فلق الصبح) بفتح الفاء و اللام و حكي الزمخشري سكونها و يقال فرق بالراء بدل اللام من غير الرواية و فلق الصبح ضياؤه يضرب مثلا للشيء الواضح البين قال العلماء انما ابتدئ بالرؤيا كيلا يفجأه الملك بصريح النبوة بغتة فلا تحتملها قواه البشرية فبدئ بأوائل خصال النبوة و تباشير الكرامات من صدق الرؤيا و حب العزلة و الصبر عليها (حبب إليه الخلاء) بالفتح و المد الخلوة و انما حببت إليه لما فيها من فراغ القلب لما يتوجه إليه (بغار) هو النقب في الجبل و جمعه غيران (حراء) بكسر المهملة في الافصح و تضم و تفتح و في رواية الاصيلي في البخاري بفتحها مع القصر و أكثرهم يقوله بالمد و يذكر و يؤنث فعلى الاول يصرف و على الثانى لا يصرف قال بعضهم
حرا و قبا ذكر و أنثهما معا* * * و مد أو اقصر و اصرفن و امنع الصرفا
و مثلهما مني أيضا لكن ليس في أوله سوي الكسر و حراء جبل بينه و بين مكة نحو ثلاثة أميال على يسار الذاهب من مكة الى مني قال ابن أبى حمزة و انما خصه بالخلوة لان المقيم فيه يمكنه رؤية البيت فيجتمع له الخلوة و التعبد و رؤية البيت (فيتحنث فيه) بمهملة و في آخره مثلثة أي يتعبد و معناه القاء الحنث عن نفسه كالتأثم و التحوب القاء الاثم و الحوب عن نفسه قال الخطابي و ليس في الكلام تفعل القي الشيء عن نفسه غير هذه الثلاثة و الباقي بمعنى تكسب و زاد غيره تحرج و تنجس و تجنب و تهجد و تجزع و تجنح اذا ألقي الحرج و النجس و الجنابة و الهجود أي النوم و الجزع و الجناح عن نفسه و قيل ان تحنث بمعنى تحنف و قد وقع كذلك في سيرة ابن هشام