بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ١٤٩ - الباب الرابع في هجرته
فأنفذت له قريش جواره بشرط أن لا يعلن بقراءته و لا صلاته فعمل بشرطهم أياما ثم بدا له أن يعلن فأعلن فأخبرت قريش ابن الدغنة فقدم عليه و لازمه على شرطه الاول أو يرد عليه جواره فرد عليه أبو بكر ذمته و رضي بجوار اللّه عز و جل و تجهز أبو بكر قبل المدينة. فقال رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) على رسلك و انى أرجو أن يؤذن لى فاحتبس أبو بكر لذلك و علف را حلتين كانتا عنده الخبط أربعة أشهر. قالت عائشة فبينما نحن يوما جلوس في نحر الظهيرة قال قائل لابي بكر هذا رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فدا له أبى و أمي و اللّه ما جاء به في هذه الساعة الا أمر. فلما دخل رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم). قال لأبى بكر اخرج من عندك فقال انما هم أهلك قال فانى قد أذن لى في الخروج قيل بكى أبو بكر حينئذ فرحا. و قال بأبى أنت و أمى يا رسول اللّه فخذ احدى راحلتى هاتين. فقال رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) بالثمن قالت عائشة فجهزنا هما أحث الجهاز و صنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت بها على فم الجراب فبذلك سميت- ذات النطاقين- و استأجرا رجلا فقال ان أبا بكر لا يخرج و لا يخرج مثله أ تخرجون رجلا يكسب المعدوم و يصل الرحم و يحمل الكل و يقري الضيف و يعين على نوائب الحق فانفذت قريش جواره و أمنوا أبا بكر و قالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره و يصل مهما شاء و ليقرأ مهما شاء و لا يؤذينا و لا يشتغلن بالصلاة و القراءة في غير داره ففعل ثم بدا لابي بكر فابتنى مسجدا في فناء داره فكان يصلي و يقف عليه نساء المشركين و أبناؤهم يعجبون منه و ينظرون إليه و كان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دموعه حين يقرأ القرآن فافزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا الى ابن الدغنة فأتاهم ورد عليه أبو بكر جواره (على رسلك) الرسل بكسر الراء الرفق و التؤدة كالرسلة و الترسل (الخبط) بمعجمة و موحدة مفتوحتين ورق السمر (نحر الظهيرة) وقت زوال الشمس (متقنعا) منصوبه على الحال و في القرآن الكريم و هذا بعلي شيخا و متقنع و مقنع مغط وجهه و رأسه (الا أمر) أي الا أمر عظيم جليل فالتنوين للتعظيم كما في قولهم شر أهر ذا ناب أي شر عظيم جعله يهر (احث جهاز) أي أسرعه و الجهاز بمعجمة مكسورة ما يحتاج إليه المسافر في طريقه من طعام و غيره (سفرة) بمهملة مضمومة و السفرة طعام المسافر و قد يراد بها الجلد الذي يجعل عليه الطعام (نطاقها) النطاق ككتاب شقة تلبسها المرأة و تشد وسطها فترسل الاعلى على الاسفل الى الارض و الاسفل ينجر على الارض ليس لها حجزة و لا نيفق و لا ساقان (فبذلك سميت ذات النطاقين) في غير هذا الكتاب و ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر لانها شقت نطاقها ليلة خروج النبي ٦ الى الغار فجعلت واحدة لسفرة رسول اللّه ٦ و الاخرى عصاما