بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٨٩ - مطلب في مناواة قريش له
و لما نزل قوله تعالى وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صعد (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) على الصفا فجعل ينادى يا بنى فهر يا بنى عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل اذا لم يستطع ان يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو فجاء أبو لهب و قريش فقال رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أ رأيتكم لو أخبرتكم ان خيلا بالوادي تريد ان تغير عليكم أ كنتم مصدقي قالوا نعم ما جربنا عليك الا صدقا قال فانى نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب تبا لك سائر اليوم أ لهذا جمعتنا فنزلت تبت يدا ابى لهب و تب ما اغنى عنه ماله و ما كسب سيصلى نارا الآية رواه البخاري و في رواية فيه قال يا معشر قريش او كلمة نحوها اشتروا انفسكم لا أغنى عنكم من اللّه شيأ يا بنى عبد مناف لا أغني عنكم من اللّه شيأ يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من اللّه شيأ وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ زاد البخاري و مسلم و غيرهما في بعض الروايات و رهطك منهم المخلصين و كان ذلك قرآنا ثم نسخ (صعد) بكسر العين في الماضى و فتحها في المستقبل (فجعل ينادي يا بني عدي الى آخره) للبغوي و غيره انه نادى يا صباحاه (أبو لهب) اسمه عبد العزى و كني بذلك لان وجهه كان يتلهب جمالا.
قال بعضهم و ذلك لما علم اللّه انه من أهل النار ذات اللهب (أ رأيتكم) أي أ رأيتم و الكاف للتأكيد معناه الاستخبار أى أخبرونى و فوقيته مفتوحة في الواحد و المثنى و الجمع و يقال للمؤنث بكسر الفوقية و الكاف و في الجمع كجمع المذكر لكن بنون بدل الميم (لو اخبرتكم الى آخره) فان قلت لم قدم النبي ٦ ذلك قبل الابلاغ (قلت) جعله توطئة له و ليعلم بذلك أنهم لا يتهمونه بالكذب و ان كفرهم مجرد جحود (خيلا) اسم جنس لا واحد له من لفظه (بالوادي) فيه الاشارة الى قرب العذاب الذي جعل هذا مثلا له (ان تغير) بضم أوله رباعى و في رواية صحيحة لو أخبرتكم ان العدو مصبحكم أو ممسيكم أ ما كنتم تصدقوني قالوا بلى (مصدقى) بتشديد الياء مكسورة أو مفتوحة (نعم) بفتح العين و كسرها قرئ بهما في القرآن و الرواية بالفتح (تبت) أى خابت و خسرت و التباب الهلاك و الخسار (يدا أبي لهب) أى هو و اليدان صلة (و تب) قرئ شاذا و قد تب الاول دعاء و الثاني خبر كما يقال أهلكه اللّه و قد فعل (رواه) من حديث ابن عباس (البخاري) و مسلم و الترمذي (يا معشر قريش) المعشر الجماعة (أو) قال (كلمة) شك من الراوى اشتروا أنفسكم أى آمنوا فاشتروا بالايمان نفوسكم لا أغنى عنكم من اللّه شيأ معنى ذلك اني لا أنفع بمحض القرابة من لم يؤمن منكم كابى طالب و أبى لهب و التخفيف من العذاب عنهما في النار ليس هو لمحض القرابة بل لامر آخر مذكور في نص الحديث و هذا يوافق معنى قوله ٦ من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه أخرجه مسلم و غيره و لا ينافيه قوله ٦ أوّل من أشفع له يوم القيامة من أمتي أهل بيتي ثم الاقرب فالاقرب من قريش ثم الانصار ثم من آمن بي و اتبعنى من اليمن ثم من سائر العرب ثم الاعاجم و من أشفع له أولا أفضل أخرجه الطبراني في المعجم الكبير من حديث ابن عمرو لان هذا فيمن تتأتى فيه الشفاعة و أما من لم يؤمن و لو كان في أعلا درجات القرب منه ٦ فليس بهذه المثابة