بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٤٢١ - الكلام على غزوة حنين و شرح خبر ذلك
قال فو اللّه لكأن عطفتهم على حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا يا لبيك يا لبيك فاقتتلوا و الكفار و الدعوة في الأنصار يقولون يا معشر الأنصار ثم قصرت الدعوة على بنى الحارث بن الخزرج فنظر رسول اللّه ٦ و هو على بغلته كالمتطاول عليها الى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس ثم أخذ رسول اللّه ٦ حصيات فرمى بهنّ في وجوه الكفار ثم قال انهزموا و رب محمد قال فو اللّه ما هو الا أن رماهم بحصياته فما زلت أري حدهم كليلا و أمرهم مدبرا* و روي أن العباس لما ناداهم جعل الرجل منهم يثني بعيره فلم يقدر عليه فيقتحم عنه و يؤم الصوت حتى اجتمع منهم مائة عند رسول اللّه ٦ و قيل ألف فاستعرضوا الناس و ساروا قدما حتى فتح اللّه عليهم و كانت الهزيمة و نزل في ذلك قوله تعالى وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ و غيره اين أصحاب سورة البقرة أراد المذكورين في قوله آمَنَ الرَّسُولُ قاله الطيبي (لكان عطفتهم على حين سمعوا صوتي) فيه دليل على عدم بعد فرارهم و عدم حصوله من جميعهم بل من الطلقاء و نحوهم ممن لم يستقر الايمان في قلبه (عطفة البقر) بالضم خبر كان المشددة (فاقتتلوا و الكفار) بالنصب مفعول معه لا غير (و الدعوة) بفتح الدال أي الاستغاثة و المناداة (في الانصار) أي إليهم (ثم قصرت) بفتح القاف و ضم المهملة (هذا حين حمى الوطيس) بفتح الواو و كسر المهملة و سكون التحتية آخره سين مهملة و هو التنور أو شبهه فيه قولان يضرب مثلا لشدة الحرب الذي يشبه حرها حره و قال الاصمعي هى حجارة مدورة اذا حميت لم يقدر أحد يطأ عليها و قيل هو الضراب في الحرب و قيل هو الوطس الذي يطس الناس أي يدقهم قال العلماء هذه اللفظة من فصيح الكلام و بديعه الذي لم يسمع من أحد قبل النبي ٦ (ثم أخذ رسول اللّه ٦ حصيات) في رواية أخرى لمسلم فقبض قبضة من تراب الارض ثم استقبل بها وجوههم (انهزموا و رب محمد) في الرواية الأخرى فيه شاهت الوجوه أي قبحت ففي كلا الحديثين كما قال النووى معجزتان ظاهرتان احداهما فعلية و الاخرى خبرية ثم الجمع بينهما انه أخذ قبضة من حصى و قبضة من تراب فرمى بذامرة و بذامرة أو أخذ قبضة واحدة مخلوطة من حصى و تراب (فما زلت أرى حدهم كليلا) بفتح الحاء أى ما زلت أرى قوتهم ضعيفة (و روى ان العباس الى آخره) رواه ابن إسحاق في سيرته و غيره (يثنى بعيره) يلويه وزنا و معنى (فيقتحم عنه) أى يزل (و يؤم الصوت) أي يقصده (قدما) بضم القاف أي يقدم بعضهم بعضا و هذا وصف الشجعان (و كانت الهزيمة) تامة لا تحتاج الى خبر (و يوم حنين) أي و نصركم يوم حنين لانه معطوف على قوله لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ اشارة الى قول من قال لن نغلب اليوم عن قلة (فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً) لأن الظفر لا يكون بالكثرة وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ أي برحبتها وسعتها ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ منهزمين