بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ١٧٤ - مطلب في غزوة ودان و تحويل القبلة
فصنعت له طعاما فحانت صلاة الظهر فصلى بهم و أنزل عليه و هو راكع في الثانية قوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ الآية فاستدار (صلى اللّه تعالى عليه و آله و سلم) و استدارت الصفوف خلفه و تحول الرجال مكان النساء و النساء مكان الرجال ثم صلى ما بقي من صلاته الى الكعبة و لم يستأنف فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين و أخبر أهل مسجد قباء بذلك و هم في صلاة الصبح فاستداروا كما هم الى الكعبة و بهذا استدل أصحابنا في جواز الصلاة الواحدة الى جهات متعددة بالاجتهاد و كان أمر القبلة اول منسوخ من أمور الشرع و ذلك ان رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) كان قبل الهجرة يصلي الى الكعبة فلما هاجر استقبل صخرة بيت المقدس ليكون أقرب الى تصديق اليهود و اختلف العلماء هل كان ذلك بوحي أم اجتهاد و نقل القاضي عياض عن الاكثرين انه كان بسنة لا بقرآن ففيه دليل لمن يقول ان القرآن ينسخ السنة قلت بل الصواب و اللّه أعلم ان توجهه الى بيت المقدس تلك الاشهر كان بوحي من اللّه بدليل قوله تعالى وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها مع ما ورد انه ٦ حين كان يصلي الي بيت المقدس كان يقول لجبريل ٧ وددت لو حولنى ربي الى الكعبة فانها قبلة ابي ابراهيم فقال له جبريل ٧ انما انا عبد مثلك و أنت كريم على ربك فسل أنت ربك فانك عند اللّه بمكان و عرج جبريل الى السماء و جعل (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) يقلب طرفه الى السماء منتظرا فنزل في ذلك قوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ الآية و كل هذا يدل على انه لم يكن باجتهاد و يحتمل ان يكون أوّل ذلك اجتهاد الموافقة اليهود رجاء اسلامهم ثم نزل الوحي بتقريره و اللّه أعلم. و حين عدل ٦ قبلة مسجده اماط جبريل ٧ كل جبل بينه و بين الكعبة فعدلها و هو ينظر الى الكعبة و صارت قبلته الى الميزان و لما حولت القبلة وقع في ذلك القالة من اليهود و ارتد من رق ايمانه و قالوا رجع محمد الى دين آبائه و نزل في ذلك قوله تعالى (وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَ إِنْ كانَتْ) اى التحويلة (لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) و كان (و هم في صلاة الصبح) أي من اليوم الثاني و ذلك الي ان وصلهم الخبر لانهم خارج المدينة. قال في المواهب و في هذا ان الناسخ لا يلزم حكمه الا بعد العلم به و ان تقدم نزوله لانهم لم يؤمروا باعادة العصر و المغرب و العشاء (وقع في ذلك القالة) أى القيل و القال كناية عن الارتياب و الشك (من اليهود) و قالوا ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها (و ارتد) عن دينه (من رق إيمانه) من المنافقين فانزل اللّه في جوابهم قل للّه المشرق