سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥٦٦ - قال علي بن أبى طالب
أكتم من الأرض و أنمّ[١] من الريح، و ألهى من الهوى، و أخدع من المنى، و أمتع من الضّحى، و أنطق من سحبان وائل[٢]، و أعيا من باقل[٣].
هل سمعت بمعلّم واحد تحلّى بحلل كثيرة، و جمع أوصافا غزيرة: عربي، فارسي، هندي، سندي، رومي، يوناني، إن وعظ أسمع، و إن ألهى أمتع، و إن أبكى أدمع، و إن ضرب أوجع، يفيدك و لا يستفيد منك، و يزيدك و يستزيدك، إن جدّ فيسرّ، و إن مزح فنزهة، قبر الأسرار و حرز الودائع، قيد العلوم و ينبوع الحكم، و معدن المكارم، و مؤنس لا ينام، يفيدك علم الأوّلين و يخبرك عن كثير من أنباء الآخرين.
هل سمعت فى الأوّلين، أو بلغك عن أحد من السّالفين جمع هذه الأوصاف مع قلّة مئونته، و خفّة محمله؟ لا يرزؤك[٤] شيئا من دنياك، نعم الذّخر[٥] و العدّة، و المستغلّ و الحرفة[٦]، جليس لا يضرّ بك، و رفيق لا يملّك، يطيعك بالليل طاعته بالنهار، و يطيعك فى السفر طاعته فى الحضر، إن أدمت النظر إليه أطال إمتاعك، و شحذ طباعك، و بسط لسانك، و جوّد بنانك، و فخّم ألفاظك، إن ألّفته خلّد على الأيام ذكرك، و إن درسته رفع فى الخلق قدرك، و إن حملته نوّه عندهم باسمك، يقعد العبيد فى مقاعد السادة، و يجلس السّوقة[٧] فى مجالس الملوك، فأكرم به من صاحب، و أعزز به من مرافق، و قد قال فيه الأول:
[١] - يقال:[ نمنمت الريح التراب] أي خطّته و تركت عليه أثرا شبه الكتابة.
[٢] - سحبان وائل خطيب يضرب به المثل فى البيان فيقال:« أخطب من سحبان و أفصح من سحبان ..» اشتهر فى الجاهلية و عاش زمنا فى الإسلام، و كان إذا خطب لا يعيد كلمة و لا يتوقف و لا يقعد حتى يفرغ، أسلم فى زمن النبى صلى اللّه عليه و سلم و لم يجتمع به و أقام فى دمشق أيام معاوية مات سنة ٥٤ ه،( الأعلام ٣/ ٧٨).
[٣] - باقل الإيادى: جاهلى من بنى ربيعة يضرب به المثل فى العىّ من ذلك أنه اشترى ظبيا بأحد عشر درهما، فمرّ بقوم فقالوا له: بكم اشتريت الظبى؟ فمد يديه و دلع لسانه- يريد أحد عشر- فشرد الظبى و كان تحت ابطه و المثل المشهور( أعيا من باقل)،( الأعلام ٢/ ٤٢).
[٤] - رزأ الشيء: نقصه و أصاب منه.
[٥] - الذخر: ما أعدّ لوقت آخر في الدنيا أو الآخرة.
[٦] - في محاضرات الأدباء للأصفهاني ١/ ١٥٠، قال:[ ذكر الجاحظ الكتب، فقال: نعم الذخر و العقدة و الجليس و العدّة ... و المشتغل و الحرفة].
[٧] - السوقة: عامة الناس.