سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٤٧ - إبراهيم
قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ، قالَ- نمروذ- أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨].
قال: كيف ذلك؟
قال: آخذ رجلين قد استوجبا القتل فى حكمى، فأقتل أحدهما، فأكون قد أمّته، و أعفو عن الآخر فأكون قد أحييته.
فقال إبراهيم: إن كنت صادقا، فأحي الذى قتلت بزعمك، و أخرج روحا من جسد، من غير أن تقتله إن كنت صادقا.
قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: ٢٥٨].
فَبُهِتَ[١] عند ذلك النمروذ، و لم يرد على إبراهيم شيئا، و أمر به إلى السجن، فلبث فيه سبع سنين، و جعل يدعو أهل السجن إلى الله تعالى و إلى الإسلام، حتى ظهر أمره و فشا، و اتّبعه قوم كثير على دينه.
فلما أرادوا أن يحرقوا إبراهيم، و اجتمع أمرهم على ذلك، بنوا حيزا طول جداره ستون ذراعا، و وضعوه إلى سفح جبل منيف، لا يرام و لا يرقا، و بلّطوا الجدار، فلا يمشى فيه أحد إلا زلق عنه، و أذّن مؤذن نمروذ: أيّها الناس:
احتطبوا لنار إبراهيم، و لا يتخلّفن عنها ذكر و لا أنثى، و لا حر و لا عبد، و لا شريف و لا وضيع، و من تخلّف عن ذلك ألقى فى تلك النار، فعملوا فى ذلك أربعين ليلة، حتى إنّ المرأة منهم تنذر ذلك على نفسها لئن رجع غائبها أو أفاق عليلها.
حتى إذا كمل ذلك قذفوا فيه النار، حتى إنه كان يسمع وهج النار على المسافة البعيدة، فلما بلغ ذلك، وضع إبراهيم فى كفة المنجنيق[٢].
قال وهب بن منبه[٣]: فبلغنى أن السماء و الأرض و البحار و ما فيها ضجّوا
[١] - تمام الآية: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
[٢] - المنجنيق: ألة حربية قديمة كانوا يرمون بها الحجارة الثقيلة على الأسوار فتهدمها.
[٣] - وهب بن منبه: مؤرخ من التابعين، من أهل اليمن اشتهر بمعرفة أخبار الأقدمين و الأنبياء، مات بصنعاء سنة ١١٤ ه. سبقت ترجمته.