سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣١٠ - فصل فى بعض أقوال العلماء و الحكماء فى الشكر
الله تعالى الحجر فقال له: لم تبكي؟ فقال: ذلك بكاء الحزن و الخوف، و هذا بكاء الشّكر و السرور.
و روي أنّ الله تعالى أوحى إلى موسى ٧ (أرحم عبادى المبتلى و المعافى) فقال: إلهى ما بال المعافى؟ فقال: لقلة شكرهم على عافيتى إياهم.
و بلا[١] رجل أعرابيّا بلاء حسنا، فقال: لا أبلاك الله بلاء يعجز عنه صبرك، و أنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك.
و أنشد بعضهم:
|
سأشكر، لا أنّى أجازيك منعما |
بشكرى، و لكن كى يرى ذلك الشكر |
|
|
و أذكر أيّاما لدىّ اصطنعتها |
و آخر ما يبقى على الشّاكر الذّكر |
|
و أنشدوا:
|
أوليتنى نعما أبوح بشكرها |
و كفيتنى كلّ الأمور بأسرها |
|
|
فلأشكرنّك ما حييت و إن أمت |
فلتشكرنّك أعظمى فى قبرها |
|
و لبعض الأعراب:
|
إلهى قد أحسنت عودا و بدأة |
إلىّ فلم ينهض باحسانك الشّكر |
|
|
فمن كان ذا عذر لديك و حجّة |
فعذرى إقرارى بأن ليس لى عذر |
|
و كان مطرّف[٢] يقول: إلهى؛ منك تكون النعمة، و عليك تمامها، و أنت تعين على شكرها، و عليك ثوابها.
و هذا باب عظيم من النّعم على العباد، و قد أثنى الله تعالى على بعض عباده فقال: إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً [الإسراء: ٣]. و قال تعالى: شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ [النحل: ١٢١] و كذلك سائر ما أثنى الله تعالى به على عباده، ثم قال: وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ [النمل: ٤٠]: وَ مَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ [فاطر: ١٨] إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ [الإسراء: ٧] ليس للربّ تعالى فيها لا قليل و لا كثير، فإنّه أجلّ من أن تناله[٣] الحظوظ، و أجلّ من أن يلحقه ثناء مثن، أو شكر شاكر، فأخبر أنّ العلوّ و الجلال له دونهم، و أنّه يتقدّس عن الناس بثناء مثن، او كفر كافر، قال الله تعالى: يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ [إبراهيم: ١٠] فوا عجبا أعطى ثمّ أثنى.
[١] - بلا- يبلو- بلاء: الشيء أو الشخص: اختبره.
[٢] - هو مطرف بن عبد الله بن الشّخّير العامرى أبو عبد الله، زاهد من كبار التابعيين، له كلمات فى الحكمة مأثورة و من رواة الحديث الثقات كانت إقامته و وفاته فى البصرة سنة ٨٧ ه( الأعلام ٧/ ٢٥٠).
[٣] - كذا فى( خ) و فى( ط)( ينال الحظوظ).