سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٩٦ - مثل ابن آدم عند الموت كمثل رجل له ثلاثة أخلاء
ثم يقول للثاني: قد كنت عندي آثر الثلاثة، و قد نزل بي من أمر الله تعالى ما ترى، فما عندك؟ قال: هذا أمر الله غلبني عليك، و لا أستطيع أن أنفّس كربك، و لكن سأقوم عليك في مرضك، فإذا متّ أتقنت غسلك، و جوّدت كسوتك، و سترت جسدك و عورتك.
و قال للثالث: قد نزل بي من أمر الله ما ترى، و كنت أهون الثلاثة عليّ، فما عندك؟ قال: إني قرينك و حليفك في الدنيا و الآخرة، أدخل معك قبرك حين تدخله، و أخرج معك حين تخرج منه، و لا أفارقك أبدا، فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم:
«الأول ماله، و الثاني أهله، و الثالث عمله»[١].
و لما لقي ميمون بن مهران[٢]، الحسن البصري، قال له: قد كنت أحبّ لقاءك فعظني، فقرأ الحسن: أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ. ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء: ٢٠٥- ٢٠٧]، فقال: عليك السلام أبا سعيد[٣]، فقد وعظت أحسن موعظة، وا عجبا كلّ العجب للمكذّب بالنشأة الأخرى و هو يرى الأولى! وا عجبا كلّ العجب للشّاك في قدرة الله تعالى و هو يرى خلقه! وا عجبا كلّ العجب للمكذّب بالنشور و هو يموت في كل يوم و ليلة و يحيي! وا عجبا كلّ العجب للمصدّق بدار الخلود و هو يسعى لدار الغرور! وا عجبا كلّ العجب للمختال الفخور و إنّما خلق من نطفة ثم يعود جيفة، و هو بين ذلك لا يدري ما يفعل به!
و روي أنّ الله تعالى، أوحى إلى آدم ٧، جماع الخير كله في أربع:
واحدة لي، و واحدة لك، و واحدة بيني و بينك، و واحدة بينك و بين الناس.
فأما التي لي: فتعبدني لا تشرك بي شيئا.
و أما التي لك: فاعمل ما شئت، فإني أجزيك به.
و أما التي بيني و بينك: فعليك الدّعاء و عليّ الإجابة.
[١] - حديث الأخلاء الثلاثة هذا ذكره المؤلف بمعناه، و أصل الحديث صحيح:[ يتبع المؤمن بعد موته ثلاثة: أهله و ماله و عمله، فيرجع اثنان و يبقى واحد ...] حيث رواه المنذري في الترغيب و الترهيب عن أنس بلفظ:« الأخلاء ثلاثة ...»( الترغيب و الترهيب ٢/ ٤١). كما رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، و قال: صحيح على شرطهما و لا علة له( المستدرك ١/ ١٤٦).
[٢] - ميمون بن مهران: الرّقّى، أبو أيوب، فقيه و من القضاة المشهورين، كان واليا لعمر بن عبد العزيز على خراج الجزيرة، توفي سنة ١١٧ ه.( الأعلام: ٧/ ٣٤٢).
[٣] - الحسن البصري: و كنيته أبو سعيد، و سبقت ترجمته.