سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٩٤ - فصل في بعض الأخبار و المواعظ
أ ليس في هذا ما أذهل العقول، و طيّش الحلوم[١]، و منع اللذات، و هان عنده مفارقة الأهلين و المال، و اللّحوق بقلل الجبال، و الأنس بالوحوش حتى يأتي أمر الله! أ ليس في هذا ما صغّر الدنيا و ما فيها؟. أ ليس في هذا ما حقّر الملك عند من عظّمه، و المال عند من جمعه؟ أ ليس في هذا ما زهّد في اللّذات و سلّى عن الشهوات؟.
و قال مسعر: [كم من مستقبل يوما لا يستكمله، و منتظر غدا و ليس من أجله، إنّكم لو أبصرتم الأجل و مسيره، لأبغضتم الأمل و غروره][٢].
و لما بنى المأمون بن ذي النون[٣]- و كان من ملوك الأندلس- قصره، و أنفق فيه بيوت الأموال[٤]، جاء على أكمل بنيان في الأرض، و كان من عجائبه: أن صنع فيه بركة ماء كأنها بحرة، و بنى في وسطها قبة، و ساق الماء من تحت الأرض حتى علا على رأس القبة، على تدبير قد أحكمه المهندسون، و كان الماء ينزل من أعلى القبّة حواليها، محيطا بها، متصلا بعضه ببعض، فكانت القبة في غلالة[٥] من ماء سكبا لا يفتر، و المأمون قاعد فيها، فروي عنه أنه بينما هو نائم إذ سمع منشدا ينشد هذين البيتين:
|
أتبنى بناء الخالدين و إنّما |
بقاؤك فيها لو عقلت قليل |
|
|
لقد كان فى ظلّ الأراك كفاية |
لمن كلّ يوم يقتضيه رحيل |
|
فلم يلبث بعدها إلا يسيرا حتى قضى نحبه:
و وجد مكتوبا على قصر، قد باد أهله و أقفرت منازله:
|
هذى منازل أقوام عهدتهم |
فى خفض عيش نفيس ما له خطر |
|
|
صاحت بهم نائبات الدّهر فانقلبوا |
إلى القبور فلا عين و لا أثر |
|
[١] - طيش الحلوم: ذهب بعقل الرجل الحليم.
[٢] - سقط اسم مسعّر من( ط)، و هو مسعر بن كدام بن ظهير الهلالي، من ثقات أهل الحديث، كوفي، كان يقال له:« المصحف» لعظم الثقة بما يرويه، توفي بمكة سنة ١٥٢ ه.( الأعلام: ٧/ ٢١٦).
و قد عدّ البعض هذا القول حديثا، حيث رواه أبو نعيم في حلية الأولياء عن ابن عيينة عن مسعر عن عون بن عبد الله( حلية الأولياء ٤/ ٢٤٣)؛ كما ذكره المناوي في شرح الجامع الصغير، و قال: رواه الديلمي في مسند الفردوس بإسناد ضعيف( التيسير في شرح الجامع الصغير ٢/ ٢٢٣).
[٣] - المأمون بن ذي النون: من ملوك الطوائف في الأندلس، صاحب طليطلة، احتل بلنسية و انتزع قرطبة من ابن عبّاد، مات سنة ٤٦٠ ه.( الأعلام: ٨/ ١٣٨).
[٤] - في( خ) و انفق منه خزائن أمواله.
[٥] - القبة في غلالة من ماء: الماء يجري حولها و يطوقها كأنها تلبسه.