سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٦٥ - فصل فيمن استبصر من أبناء الملوك عيب الدنيا و فناءها
و أنشدني بعض الأدباء[١]:
|
أسعداني يا نخلتي حلوان |
و ارثيا لي من ريب هذا الزّمان[٢] |
|
|
و لعمري لو ذقتما حرق الفر |
قة أبكاكما الذي أبكاني[٣] |
|
|
و اعلما إن بقيتما أنّ نحسا |
سوف يأتيكما فتفترقان[٤] |
|
و لما سافر الرشيد إلى طوس[٥]، وعك في طريقه من حرّ أصابه، فقال له الطبيب: لا يبرئك إلا جمّار[٦] النّخل، و كان نزوله قريبا من هاتين النخلتين، فأمر بقطع جمّار إحدى النخلتين، فلما مثل بين يديه، أنشده بعض الجلساء هذه الأبيات لبعض الشعراء في هاتين النخلتين، فقال الرشيد: لو سمعتهما، ما أمرت بقطعهما.
و لما مات الاسكندر[٧]، قال أرسطاطاليس[٨]: أيها الملك لقد حركتنا بسكونك. و قال بعض الحكماء من أصحابه: كأنّ الملك أمس أنطق من اليوم، و هو اليوم أوعظ منه أمس، فنظمه أبو العتاهية[٩] فقال:
|
كفى حزنا بدفنك ثمّ إنّي |
نفضت تراب قبرك من يديّا |
|
|
و كانت من حياتك لي عظات |
فأنت اليوم أوعظ منك حيّا |
|
و وجد مكتوبا على قبر:
«قهرنا من قهرنا، فصرنا للناظرين عبرة»
[١] - قائل هذه الأبيات هو الشاعر: مطيع بن إياس الكناني المتوفى سنة ١٦٦ ه. كانت له جارية يحبها فاضطر إلى بيعها، ثم ندم على ذلك، و لما نزل حلوان تذكرها و أنشد هذه الأبيات.( معجم البلدان ٢/ ٢٩٢).
[٢] - حلوان: المقصود حلوان العراق مدينة في العراق في آخر حدود السواد مما يلي الجبال في بغداد ينتسب إليها الكثير من أهل العلم.( معجم البلدان ٢/ ٢٩٠).
[٣] - حرق الفرقة: أي حرارتها، و في المرجع السابق وردت بلفظ( ألم الفرقة).
[٤] - و كذلك البيت الثالث ورد في معجم البلدان بلفظ:« أسعداني و أيقنا أنّ ...».
[٥] - طوس: مدينة في خراسان بايران، خرّبها المغول، و ينسب إليها الكثير من العلماء.( معجم البلدان ٤/ ٥٥).
[٦] - جمّار النخلة: قلبها و شحمها، نقول: جمّر النخلة إذا قطع جمّارها.( لسان العرب، باب: جمر).
[٧] - الإسكندر: من أشهر الفاتحين، لقب بذي القرنين لاتساع فتوحاته، احتل مصر و أسس الاسكندرية سنة ٣٣٢ ق. م، مات بالحمّى في بابل سنة ٣٢٣ ق. م.( المنجد في الأعلام/ ٤٥).
[٨] - أرسطوطاليس: أو أرسطو، فيلسوف يوناني من كبار مفكري البشرية، و هو معلم و مربي الإسكندر، توفي سنة ٣٢٢ ق. م.( المنجد في الأعلام/ ٣٧).
[٩] - أبو العتاهية: شاعر الكوفة المعروف، سبقت ترجمته.