سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٦٣ - فصل فيمن استبصر من أبناء الملوك عيب الدنيا و فناءها
و هزمت ألف جيش، و افترعت[١] ألف بكر من بنات الملوك، ثم صرت إلى ما ترى، فصار التراب فراشي، و الحجارة و سادي، فمن رآني فلا تغرّه الدنيا كما غرّتني.
و قال وهب بن منبّه[٢]: خرج عيسى بن مريم ٧، ذات يوم مع جماعة من أصحابه، فلما ارتفع النهار مرّوا بزرع قد أمكن من الفرك[٣]، فقالوا: يا نبيّ الله، إنّا جياع، فأوحى الله إليه، أن ائذن لهم في أقواتهم، فأذن لهم، فتفرقوا في الزرع، يفركون و يأكلون، فبينما هم كذلك، إذ جاء صاحب الزرع، و هو يقول: زرعي و أرضي، ورثته عن آبائي، بإذن من تأكلون يا هؤلاء؟
قال: فدعا عيسى ربّه، فبعث الله تعالى جميع من ملك تلك الأرض، من لدن آدم إلى ساعته، فإذا عند كل سنبلة أو ما شاء الله، رجل أو امرأة، كلّهم ينادون: زرعي، و أرضي، ورثته عن آبائي. ففزع الرجل منهم، و كان قد بلغه أمر عيسى ٧، و هو لا يعرفه، فلما عرفه، قال: معذرة إليك يا رسول الله، إنّي لم أعرفك، زرعي و مالي لك حلال. فبكى عيسى ٧، و قال: ويحك، هؤلاء كلّهم قد ورثوا هذه الأرض و عمروها، ثم ارتحلوا عنها، و أنت مرتحل عنها، و بهم لاحق، ليس لك أرض و لا مال.
و قال أبو العتاهية[٤]:
|
وعظتك أجداث صمت |
و نعتك أزمنة خفت[٥] |
|
|
و تكلّمت عن أوجه |
تبلى و عن صور سبت[٦] |
|
|
و أرتك قبرك في القبو |
ر و أنت حيّ لم تمت |
|
|
يا شامتا بمنيّتي |
إنّ المنيّة لم تفت[٧] |
|
|
و لربّما انقلب الشّما |
ت فحلّ بالقوم الشّمت[٨] |
|
[١] - افترع البكر: أزال بكارتها.
[٢] - وهب بن منبه: التابعى المؤرخ، سبقت ترجمته.
[٣] - أمكن من الفرك: أي نضج و أصبح صالحا لأن يفرك فيؤكل.
[٤] - أبو العتاهية: شاعر الكوفة المعروف، سبقت ترجمته.
[٥] - الأجداث: القبور. النعي: الأخبار بالموت. أزمنة خفت: أي سكنت و بعدت و انقضت.
[٦] - صور سبت: نائمة أو بالية لا حراك فيها.
[٧] - شمت شماتا و شماتة بفلان: أي فرح ببليته.
[٨] - القوم الشمت: أي ربما حلت البلية بالقوم الشامتين.