سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٦١ - فصل فيمن استبصر من أبناء الملوك عيب الدنيا و فناءها
قال وهب بن منبّه: صحب رجل بعض الرهبان سبعة أيام؛ ليستفيد منه شيئا، فوجده مشغولا عنه بذكر الله تعالى، و الفكر لا يفتر، ثم التفت إليه في اليوم السابع، فقال: يا هذا قد علمت ما تريد، حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة، و الزّهد في الدنيا رأس كل خير، و التوفيق تاج كل خير، فاحذر رأس كل خطيئة، و ارغب في رأس كل خير، و تضرّع إلى ربك أن يهب لك تاج كلّ خير، قال: فكيف أعرف ذلك؟ قال: كان جدّي رجلا من الحكماء، قد شبّه الدنيا بسبعة أشياء:
فشبّهها بالماء المالح، يغرّ[١] و لا يروي و يضرّ و لا ينفع، و بالبرق الخلّب[٢] يغر و لا ينفع. و بسحاب الصيف يغرّ و لا ينفع، و بظل الغمام يغرّ و يخذل. و بزهر الربيع ينضر ثم يصفرّ فتراه هشيما[٣]، و بأحلام النائم يرى السرور في منامه، فإذا استيقظ لم يكن في يده إلا الحسرة، و بالعسل المشوب بالسمّ الزّعاف[٤] يغرّ و يقتل.
فتدبرت هذه الأحرف السبعة سبعين سنة، ثم زدت حرفا واحدا، فشبّهتها بالغول التي تهلك من أجابها، و تترك من أعرض عنها، فرأيت جدي في المنام، فقال: يا بني، أشهد أنك مني و أنا منك، هي و الله الغول التي تهلك من أجابها، و تترك من أعرض عنها، قلت: فبأي شيء يكون الزهد في الدنيا؟
قال: باليقين، و اليقين بالبصر[٥]، و البصر بالعين، و العين بالفكر، ثم وقف الراهب، و قال: خذها منّا فلا أراك خلفي إلا متجردا بفعل دون قول، فكان ذلك آخر العهد به.
قلت: و قد وصف الله تعالى الدنيا و أهلها بصفة أعمّ من هذه الصفة، فقال سبحانه: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا، ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً، وَ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ [الحديد: ٢٠]، و الكفّار هنا الزرّاع
[١] - يغرّ: يخدع.
[٢] - البرق الخلّب: قالوا: هو السحاب يومض برقه حتى يرجى مطره ثم ينقشع( فهو من الخلابة و الخداع).
[٣] - الهشيم: كل نبات أو شجر يبس و تكسّر.
[٤] - السم الزعاف: السم المهلك الذى يقتل سريعا.
[٥] - فى( ط) بالصبر خطأ.