سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٦٠ - فصل فيمن استبصر من أبناء الملوك عيب الدنيا و فناءها
و كان إبراهيم بن أدهم، يأكل من عمل يده، مثل الحصاد، و حفظ البساتين، و العمل في الطين، و كان يوما يحفظ كرما، فمرّ به جندي، فقال:
طنا من هذا العنب، فقال: ما أمر به صاحبه، فأخذ يضربه بالسوط، فطأطأ رأسه، و قال: اضرب رأسا طالما عصى الله، فانحجز الرجل و مضى.
و قال سهل بن إبراهيم: صحبت إبراهيم بن أدهم، فمرضت فأنفق عليّ نفقته، فاشتهيت شهوة، فباع حماره و أنفق ثمنه عليّ، فلما تماثلت، قلت: يا إبراهيم، أين الحمار؟ فقال: بعناه، فقلت: فعلام أركب؟ قال: يا أخي على عنقي، قال: فحملني ثلاث منازل رحمه الله.
و أنشدوا شعرا:
|
أيّها المرء إنّ دنياك بحر |
طافح موجه فلا تأمننها[١] |
|
|
و سبيل النّجاة فيها مبين |
و هو أخذ الكفاف و القوت منها[٢] |
|
و بلغني، أنّ بالهند يوما يخرج الناس فيه إلى البريّة، فلا يبقى في البلد بشر من طين، لا شيخ كبير، و لا مولود صغير، و هذا اليوم يكون بعد انقراض مائة سنة من يوم مثله، فإذا اجتمع الخلق في صعيد واحد، نادى منادي الملك: لا يصعدنّ هذا الحجر- الحجر هناك منصوب- إلا من حضر في المجمع الأوّل، الذي قد خلا من مائة سنة، فربّما جاء الشيخ الهرم، الذي قد ذهبت قوّته، و عمي بصره، و فني شبابه، و تجيء العجوز تزحف لم يبق منها إلا رسمها، و قد أخنى[٣] الدهر عليها، فيصعدان على الحجر الذي هناك، و يقول الشيخ: حضرت المجمع الأول منذ مائة سنة و أنا طفل صغير، و كان الملك فلانا ... و يصف الجيوش الماضية، و الأمم الخالية، و كيف طحنهم البلى، و صاروا تحت أطباق الثّرى، و يقوم خطيبهم فيعظ الناس، و يذكّرهم صرعة الموت، و حسرة الفوت، فيبكي القوم و يتوبون من المظالم، و يكثرون الصدقات، و يخرجون عن التبعات[٤] و يصلحون على ذلك مدة.
[١] - طفح موج البحر: أرتفع كزبد القدر الذي يطفح فوق شفتها.
[٢] - سبيل النجاة من الدنيا: أي: طريق النجاة منها أخذ الكفاف من الرزق، و هو ما كفى عن الناس، و كان مقدار الحاجة دون زيادة أو نقصان.
[٣] - أخنى عليها الدهر: أهلكها أو جار عليها و غدر بها.
[٤] - التبعات: مفردها: تبعة، و هي ما يترتب على الفعل من خير أو شر، إلا أن استعمالها في الشر أكثر، يقال لهذا الفعل: تبعة. أي: ضرر.