سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥٨ - فصل فيمن استبصر من أبناء الملوك عيب الدنيا و فناءها
فصل: فيمن استبصر من أبناء الملوك عيب الدنيا و فناءها[١].
و ممن استبصر من أبناء الملوك، فرأى عيب الدنيا و فناءها، و نقصها و زوالها، إبراهيم بن أدهم بن منصور[٢] من أبناء الملوك، ملوك خراسان[٣] من كورة بلخ[٤]، و لما زهد في الدنيا زهد عن ثمانين سريرا، قال إبراهيم بن بشار[٥]: سألت إبراهيم بن أدهم: كيف كان بدء أمرك حتى صرت إلى هذا؟
قال: غير هذا أولى بك، قلت: يرحمك الله، لعلّ الله ينفعني به يوما، ثم سألته ثانية، فقال: ويحك، اشتغل بالله تعالى، ثم سألته ثالثة، فقلت: إن رأيت- يرحمك الله- أن تخبرني لعل الله أن ينفعني، فقال: كان أبي من ملوك خراسان، و كان من المياسير، و كان قد حبّب إليّ الصيد، فبينا أنا راكب فرسا و كلبي معي، و أثرت أرنبا أو ثعلبا، فحرّكت فرسي، فسمعت نداء من ورائي، (يا إبراهيم؛ ليس لهذا خلقت، و لا بهذا أمرت)، فوقفت أنظر يمنة و يسرة، فلم أر أحدا، فقلت في نفسي: لعن الله الشيطان، ثم حرّكت فرسي، فسمعت نداء أقوى من الأول، (يا إبراهيم ليس لهذا خلقت، و لا بهذا أمرت)، فوقفت مقشعرّا أنظر يمنة و يسرة، فلم أر شيئا، فقلت لعن الله إبليس، ثم حرّكت فرسي، فسمعت من قربوس[٦] سرجي، (يا إبراهيم ليس لهذا خلقت، و لا بهذا أمرت) فوقفت، و قلت: هيهات، جاءني النذير من ربّ
[١] \* من إضافات المحقق.
[٢] - إبراهيم بن أدهم: إبراهيم بن أدهم بن منصور التميمي البلخي، الزاهد المشهور أبو إسحاق، سكن الشام و ساح و تنسّك، كان من الخيار الأفاضل، و من الثقات في رواية الحديث، توفي في جبله بسوريا سنة ١٦٢ ه.( الأعلام ١/ ٣١).
[٣] - خراسان: بلاد واسعة أول حدودها مما يلي العراق، و آخر حدودها مما يلي الهند، تشتمل على أمهات المدن مثل: نيسابور و مرو، و بلخ، و غيرها( معجم البلدان ٢/ ٤٠١).
[٤] - الكورة: البقعة التي تجتمع فيها المساكن و القرى. بلخ: مدينة مشهورة بخراسان، قيل إن الاسكندر هو الذي بناها، دخلها المسلمون في القرن الأول الهجري، زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه.( معجم البلدان ١/ ٥٦٨).
[٥] - إبراهيم بن بشار: إبراهيم بن بشار بن محمد المعقلي الخراساني، صاحب إبراهيم بن أدهم و خادمه، فقد روى عنه و جمع أخباره، كما روى أحاديث عن حماد بن زيد و الفضيل بن عياض، و قد عمّر دهرا حيث مات في حدود سنة ٢٤٠ ه.( تهذيب التهذيب/ ابن حجر ج ١/ ١١١).
[٦] - القربوس: حنو السرج أي قسمه المقوّس المرتفع قدام المقعد و من مؤخره.