سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥٤ - الباب الأول في مواعظ الملوك
و يروى أن أبا العتاهية[١]، مرّ بدكان الورّاق[٢]، و إذا كتاب فيه بيت من الشعر:
|
لن ترجع الأنفس عن غيّها |
ما لم يكن منها لها زاجر |
|
فقال: لمن هذا؟ فقيل: لأبي نواس[٣] قال: وددت أنه لي بنصف شعري.
قال الأصمعي[٤]: إنّ النعمان بن امرئ القيس الأكبر[٥]، الذي بنى الخورنق[٦] أشرف على الخورنق يوما، فأعجبه ما أوتي من الملك و السّعة، و نفوذ الأمر، و إقبال الوجوه نحوه، فقال لأصحابه: هل أوتي أحد مثل ما أوتيت؟ فقال له حكيم من حكماء أصحابه: أ هذا الذي أوتيت شيء لم يزل و لا يزال، أم شيء كان لمن كان قبلك زال عنه و صار إليك؟ قال: بل شيء كان لمن قبلي زال عنه و صار إليّ، و سيزول عنّي، قال: فسررت بشيء تذهب عنك لذّته و تبقى تبعته؟ قال: فأين المهرب؟ قال: إما أن تقيم و تعمل بطاعة الله، أو تلبس أمساحا[٧]، و تلحق بجبل و تعبد ربّك فيه، و تفر من الناس حتى يأتيك أجلك، قال: فإذا كان ذلك فمالي؟ قال: حياة لا موت فيها، و شباب لا هرم فيه، و صحّة لا سقم فيها، و ملك جديد لا يبلى، قال: فأيّ خير فيما يفنى؟ و الله لأطلبنّ عيشا لا يزول أبدا، و ملكا جديدا. فانخلع من ملكه
[١] - أبو العتاهية: الشاعر المشهور، سبقت ترجمته.
[٢] - الوراق: صانع أو صاحب أو بائع الورق و الكتب.
[٣] - أبو نواس: الحسن بن هانئ، من كبار شعراء العصر العباسي، قرّبه هارون الرشيد، و جعله الأمين شاعره، اتصل بالبرامكة، أسرف في اللهو حتى لقب بشاعر الخمرة، توفي سنة ١٩٨ ه.
[٤] - الأصمعي: عبد الملك بن قريب، راوية العرب، لغوي بصري من المشاهير، عهد إليه هارون الرشيد بتعليم الأمين و سمّاه« شيطان الشعر»، توفي سنة ٢١٦ ه( الأعلام ٤/ ١٦٢).
[٥] - هو النعمان بن امرئ القيس بن عمرو اللخمي، و يعرف بالأعور السائح، ملك الحيرة من قبل الفرس في الجاهلية، وليها بعد موت أبيه، كان شجاعا كثير الغارات، داهية رفيع الذكر، و هو باني قصر الخورنق، و قصر السدير، طال عمره، و زهد عند اكتهاله، و استعاض عن رداء الملك بقباء النسك، و انصرف سائحا في البلاد، و انقطع خبره فقيل: مات سنة ٤٣١ م.( الأعلام، الزركلي ج ٨/ ٣٥).
[٦] - الخورنق: موضع في العراق اشتهر بقصر النعمان بن امرئ القيس، و قد ذكره شعراء الجاهلية، بناه سنمار في ٢٠ سنة، و كان جزاؤه أن رماه النعمان من أعلى شرفاته، فضرب به المثل:« جزاه جزاء سنمار».
[٧] - الأمساح: كساء من نسيج الشعر، يلبس على البدن تقشفا و قهرا للجسد.