سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٧٠ - الباب الستون فى بيان الخصلة التى هى أم الخصال و ينبوع الفضائل، و من فقدها لم يكمل فيه خصلة و هى الشجاعة، و يعبر عنها بالصبر، و يعبر عنها بقوة النفس
رجل إذا التقى الجمعان، و تزاحف الزحفان، و اكتحلت الأحداق بالأحداق[١]، برز من الصف إلى وسط المعترك، يحمل و يكر، و ينادى: هل من مبارز؟
و الثانى: إذا التحم القوم و اختلطوا، و لم يدر أحد من أين يأتيه الموت، يكون رابط الجأش، ساكن القلب، حاضر اللّبّ، لم يخامره الدّهش، و لا خالطته الحيرة، فينقلب بقلب المالك لأمره، القائم على نفسه.
و الثالث: إذا انهزم أصحابه، يلزم السّاقة[٢]، و يضرب فى وجوه القوم، و يحول بينهم و بين عدوّهم، و يقوّى قلوب أصحابه و يرجى[٣] ضعيفهم، و يمدّهم بالكلام الجميل، و يشجّع نفوسهم، فمن وقع أقامه، و من وقف حمله، و من كردس فرسه[٤] كشف عنه، حتى ييأس العدو منهم، و هذا أحمدهم شجاعة.
و عن هذا قالوا: المقاتل وراء الفارّين كالمستغفر من وراء الغافلين، و من أكرم الكرم: الدفاع عن الحرم.
و قالوا: لكل واحد يومان لا بدّ منهما: أحدهما: لا يعجل عليه، و الثانى: لا يغفل عنه، فما للجبان و الفرار؟!
و كان شيوخ الجند يحكون فى بلادنا[٥] قالوا: دارت حرب بين المسلمين و الكفار، ثم افترقوا، فوجدوا فى المعترك قطعة من بيضة الحديد، قدّر ثلثها بما حوته من الرأس، فيقال: أنه لم ير قطّ ضربة أقوى منها.
و كان شيوخ الجند فى بلدنا- طرطوشة- يحكون: انهم خرجوا فى ايام سيف الملة[٦] فى سرية إلى بلاد العدو، فبينما هم يسيرون، إذ لقيتهم سرية للروم، يريدون منّا ما نريد منهم، قال: و عرف بعضهم بعضا، و كان فينا صناديد الفرسان، و فيهم صناديد الروم، فتواقفنا ساعة، ثم شددنا و شدّوا، فالتقينا، و تجالدنا ساعة، ثم منحنا الله تعالى أكتافهم، فجعلناهم حصيدا
[١] - الأحداق: العيون و الأنظار أى: حدد و حدق كل منهم النظر إلى الآخر.
[٢] - الساقة: مؤخرة الجيش.
[٣] - يرجي: يؤخر.
[٤] - كردس الفرس: جمعت يداه و رجلاه بمعنى وقع أو قيّد.
[٥] - طرطوشة: بلد أبو بكر الطرطوشى فى الأندلس.
[٦] - سيف الملة: لقب أحد حكام طرطوشة.