سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٦٩ - الباب الستون فى بيان الخصلة التى هى أم الخصال و ينبوع الفضائل، و من فقدها لم يكمل فيه خصلة و هى الشجاعة، و يعبر عنها بالصبر، و يعبر عنها بقوة النفس
و بقوة القلب: يتحمل أثقال المكاره، و بقوة القلب: يصبر على أخلاق الرجال، و بقوة القلب: تنفّذ كل عزيمة و رويّة أوجبها الحزم و العدل. و بقوة القلب: يضحك الرجال فى وجوه الرجال و قلوبهم مشحونة بالضغائن و الأحقاد- كما قال أبو ذر: [و إنّا لنكشّر فى وجوه قوم، و إنّ قلوبنا لتلعنهم].
و قال على رضى الله عنه: [إنّا لنصافح أكّفا نرى قطعها].
و ليس الصبر و الشجاعة و قوة النفس، إن تكون مصرا فى المحال، لجوجا[١] فى الباطل، و لا أن تكون جلدا عند الضرب، صبورا على التعب، مصمّما على التعزير و التهوّر، فإن هذه صفة الحمير و الخنازير. و لكن أن تكون صبورا على أداء الحقوق عليك، صبورا على سماعها و إلقائها إليك، غالبا لهواك، مالكا لشهواتك، ملتزما للفضائل بجهدك، عاملا فى ذلك على الحقيقة، التى لا يحيلك[٢] عنها حياة و لا موت، حتى يكون عندك موتك على الخير الذى أشار به العلم و أوجبه العدل، خيرا من البقاء على ما أوجب رفض العلم و العدل.
كما قال عليّ لولده الحسين[٣] رضوان الله عليهما: يا بنىّ: و ما يبالى أبوك لو أن الخلق خالفوه إذا كان على الحق، و هل الخير كله للمحقّ إلا بعد الموت؟
و من هذا قالت حكماء الهند: إذا لم يكن للملك من نفسه معين، كان فى جميع اموره ضعيفا مخذولا.
و اعلم: أنّ الجبن مقتلة، و الحرص محرمة، و العجز ذلّ، و الجبن ضعف، و الجبان يعين على نفسه، يفرّ عن أبيه و أمه و صاحبته و بنيه.
و اعلم: أن كل كريهة ما بين الحلبتين، و الشّجاع يحمى عمّن لا يناسبه، و يقي مال الجار و الرفيق بمهجته، و الجبان يخاف ما لا يحسّ به، و الجبان حتفه من فرقه[٤].
و اعلم: أن الشجاعة عند اللقاء على ثلاثة أوجه:
[١] - اللجوج: التمادى فى العناد و الخصومة عما نهى عنه.
[٢] - لا يحيلك عنها: لا يمنعك عنها.
[٣] - في( ط) قال علي بن الحسين.
[٤] - أى موته بسبب خوفه.