سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٥٠ - إبراهيم و ولده الذبيح
سبع سنين، أوحى الله تعالى إلى إبراهيم أن يذبحه، و أن يجعله قربانا، فكتم إبراهيم ذلك على إسحاق و أمه و جميع الناس، و أسرّه إلى خليل له يقال له:
(ألعازر)، و كان أول من آمن به من قومه يوم أحرق، فقال له: إن الله سبحانه رفع اسمك فى الملأ الأعلى على جميع أهل البلاء، حتى كنت أرفعهم بليّة، ليرفعك الله بقدر ذلك فى المنازل و الفضائل، و قد علمت أن الله تعالى لم يبتليك بذلك ليفتنك، و لا ليضلّك فلا يسو أنّ بالله ظنّك، و أعوذ بالله أن يكون ذلك حتما منّي على الله تعالى، أو سخطا بحكمه الذى حكم على عباده، و لكن هذا حسن الظن بالله، فإن عزم ربك على ذلك فكن عند أحسن علمه بك، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلى العظيم.
فتعزّى إبراهيم ٧ بقوله، و أسند له رأيه و بصيرته، و انطلق باسحاق، فلمّا صعد الجبل و معه السكين و الحبل و أداة القربان.
فقال له إسحاق: يا أبت، أرى معك أداة القربان و لا أرى قربانا.
قال إبراهيم: يا بني، القربان بعين ربك ينظر إليه، و إن شاء رحم أباك، فلم يفطن[١] إسحاق.
فلما وافى رأس الجبل، قال إبراهيم: يا بني، إن الله تعالى أمرنى أن أذبحك، و أجعلك قربانا يرفعك إليه و يتقبّلك، فانظر ما ذا ترى؟ فتهلل إسحاق و استبشر، فقال له والده: لقد فجعتك يا بنيّ بأمر ما فجع به والد ولده، و إنى لأرى من سرورك بذلك، و شكرك لربك، أمرا أرجو به العاقبة و الفرج.
فقال: يا أبت: لم يكن شيء من الدنيا أحبّ إلىّ من البرّ بك و بأمّي، و قد حرمنيه ربى، فإذا أردت ذبحى فاشدد وثاقى، فإنى أخاف حين يفارقنى عقلى و أجد ألم الحديد، أن يتحرك منى عضو فيؤذيك، و أنا أكره أن أختم بذلك عملى، فإذا فرغت من أمرى فأقرئ أمىّ السلام، و قل لها: لا تجزعى، فقد أكرم الله لك ابنك فى جنّاته.
فلما فرغ من وصيته، عمد إبراهيم ٧، إليه فعصبه بعمامته ما بين منكبيه إلى الكعبين، ثم كبّه لوجهه، و كره أن يستقبل وجهه، كى لا
[١] - لم يفطن: لم يدرك القصد.