سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٤٣ - من قصة إبراهيم و إسماعيل
إسماعيل و هى ترضعه، حتى وضعها عند البيت، عند دوحة[١] فوق زمزم فى أعلى المسجد، و ليس بمكة يومئذ أحد، و ليس بها ماء، فوضعها هنالك، و وضع عندها جرابا فيه تمر و سقاء فيه ماء، ثم قفّى[٢] إبراهيم منطلقا، فتبعته أمّ إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب و تتركنا بهذا الوادى، ليس فيه أنيس و لا شيء؟ قالت ذلك مرارا، و جعل لا يلتفت إليها، فقالت له:
آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيّعنا. ثم رجعت.
فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثّنية[٣]- حيث لا يرونه- استقبل البيت بوجهه، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، و رفع يديه فقال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم: ٣٧]- حتى بلغ- يَشْكُرُونَ.
و جعلت أمّ إسماعيل ترضع إسماعيل، و تشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما فى السقاء عطشت و عطش ابنها، و جعلت تنظر إليه يتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت (الصفا) أقرب جبل فى الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادى هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ثم سعت سعى الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادى، ثم أتت (المروة) فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا. ففعلت ذلك سبع مرات.
قال ابن عباس قال النبى صلى اللّه عليه و سلم: «فلذلك سعى الناس بينهما» فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا، فقالت: صه[٤]- تريد نفسها[٥]- ثم تسمّعت فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث[٦]، فإذا هى بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه- أو قال: بجناحه- حتى ظهر الماء فجعلت تحوّضه[٧]، و تقول بيدها هكذا[٨]، و جعلت تغرف من الماء فى سقائها، و هو يفور بعد ما تغرف.
[١] - الدوحة: الشجرة العظيمة و جمعها الدوح.
[٢] - قفى الرجل: أى ولاك قفاه راجعا عنك.
[٣] - الثنية: الطريق فى العقبة و قيل: المرتفع من الأرض.
[٤] - صه: اسكت، و معنى تريد نفسها: أى تسكّت نفسها لتتحقق الأمر.
[٥] - صه: اسكت، و معنى تريد نفسها: أى تسكّت نفسها لتتحقق الأمر.
[٦] - الغواث و الغواث: المعونة و النجدة.
[٧] - تحوّضه: اى تجعل له حوضا يجتمع فيه الماء.
[٨] - هذا القول من باب إطلاق القول على الفعل.