سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٨٥ - الباب الثانى و الخمسون فى بيان الصفات المعتبرة فى الولاة
الباب الثانى و الخمسون فى بيان الصفات المعتبرة فى الولاة
اعلم أرشدك اللّه تعالى: أن منزلة العمال من الوالى، منزلة السلاح من المقاتل، فاجتهد جهدك فى ابتغاء صالح العمّال.
و إذا فقد الوالى عمّال الصدق، كان كفقد المقاتل السلاح يوم الحرب.
و يحتاج إلى طبقات الرجال كما تحتاج الحرب إلى أصناف العدّة، فمنها الدرق للاستجنان[١]، و السيف للمناجزة[٢]، و الرمح للمطاعنة، و السهم للمباعدة، و الدرع للتحصن[٣]، و لكل منها موضع ليس للآخر.
و الرجال للملك كالأداة للصانع، لا يسد بعضها مسدّ بعض، كذلك طبقات الرجال للملك، منهم للرأى و المشورة، و منهم لإدارة الحرب، و منهم لمباشرة الحرب، و منهم لجمع الأموال، و منهم لحفظها، و منهم للحماية، و منهم للكتابة، و منهم للجمال و الفخر، و منهم للمباهاة و الذكر، و منهم للدّعاء و الوقار، و منهم للعلم و الفتيا و حفظ أساس الملة، فلا يكمل للملك ملك ما لم يجمع هذه الطبقات.
و قال أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه: لما مات كسرى بلغ موته رسول الله صلى اللّه عليه و سلم فقال:» من استخلفوا؟ قالوا: ابنته بوزان، قال: «لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة»[٤].
و قال ابن عباس: لما كانت فتنة الحرة[٥] قيل: من استعمل القوم؟ قالوا:
[١] - الدرق للاستجنان: أى التروس للاستتار بها من الطّعان و الضربات( يقال استجنّ بالشيء:
استتر به).
[٢] - السيف للمناجزة: للمبارزة و القتال.
[٣] - أى يستعمل الرمح للطعن من قريب، و السهم للرمى من بعيد، و الدرع للوقاية من الضربات.
[٤] - الحديث: رواه الإمام أحمد فى مسنده و البخارى و الترمذى و النسائى عن أبى بكر بلفظ( لن يفلح قوم و لو أمرهم امرأة) و الحديث صحيح( الجامع الصغير للسيوطى رقم ٧٣٩٣).
[٥] - فتنة الحرة أو وقعة الحرة: وقعت فى شرق المدينة فى الحرة حين استباح جيش يزيد بن معاوية بقيادة مسلم بن عقبة المدينة المنورة. و سببها: ان أهل المدينة لما خلعوا يزيد بن معاوية، ولوا على قريش عبد الله بن مطيع، و ولوا على الأنصار عبد اللّه بن حنظلة، فأخذ كل منهم يخطب و يقول خلعت يزيدا كما أخلع عمامتى أو كما أخلع نعالي و يرميها، حتى اجتمع شيء كثير من النّعال و العمائم ... و لكن لم يبايعهما كلّ أهل المدينة فكان بنو أمية هناك و كذلك عبد اللّه بن عمر لم يبايع .. فلما علم يزيد بن معاوية أرسل جيشا بقيادة مسلم ابن عقبة و قال له: ادع القوم ثلاثة أيام فإن رجعوا و إلّا أبح المدينة ثلاثة أيام و لما نزل مسلم بن عقبة و رفض القوم إلا القتال، فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انهزم أهل المدينة و قتل عبد اللّه بن مطيع و قيل أنه فرّ و نجا من الموت و قتل مع ابن الزبير سنة ٧٣ ه، كما قتل عبد اللّه بن حنظلة و خلق كثير، ثم أباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام كما أمره يزيد، و قتل خلقا كثيرا من أشرافها و قرائها و انتهب أموالا كثيرة منها، و وقع شر عظيم و فساد كبير ..( البداية و النهاية- ابن كثير- ج ٨ ص ٢١٧ و ما بعدها ضمن أحداث سنة ٦٣ ه.