سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٧٥ - الباب الموفى خمسين فى سيرة السلطان فى تدوين الدواوين و فرض الأرزاق و سيرة العمال
ثم دعا بالطعام و أصحابى حديثو عهد بلين العيش، و قد تجوعنا له، فأتى بخبز و أعضاء بعير، فجعل أصحابى يعافون ذلك، و جعلت آكل، و جعلت أنظر إليه يلحظنى من بينهم، ثم سبقت منى كلمة، تمنيت أنى سخت فى الأرض و لم أقلها، فقلت يا أمير المؤمنين: إن الناس يحتاجون إلى سلامتك، فلو عمدت إلى طعام ألين من هذا؟ فزجرنى ثم قال: كيف قلت؟ فقلت:
قلت يا أمير المؤمنين: لو تنظر إلى قوتك من الطحين، أن يخبز لك قبل إرادتك إياه بيوم، و يطبخ لك اللحم كذا، فتؤتى بالخبز لينا، و باللحم غريضا[١].
فسكن غيظه ثم قال: هاهنا رعت؟ قلت: نعم، قال: يا ربيع: إنا لو شئنا لملأنا هذه الرحاب من صلائق و سنابك- يعنى خبز الحوارى[٢]- و لكني رأيت اللّه تعالى عاب على قوم شهواتهم فقال: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها [الأحقاف: ٢٠] ثم أمر أبا موسى بإقرارى على عملى، و أن يستبدل بأصحابى.
و قال قبيصة بن ذؤيب[٣]. دعا عمر بن الخطاب عبيد اللّه بن سعد[٤]- و كان على أهل حمص- فقال: علام يحبك أهل الشام؟ قال: إنى أحبهم فأحبونى، قال: ما لك؟ قلت: عبدي، و فرسي، و بعلي، و خادمي.
قال: فما ذا تلبس فى الشتاء؟ قلت: عصابة أشد بها رأسى، و جبة و كساء، قال: فما تلبس فى الصيف؟ قلت: قميصا و ربطة.
فأعطانى عمر ألف دينار. قال: خذها و استنفق منها، و أعط منها، قلت: لا أرب لى فيها[٥]، و ستجد من هو أحوج إليها منى، قال: خذها، فإن النبى صلى اللّه عليه و سلم دفع إلىّ مالا، و هو دون الذى أعطيتك، فقلت له كما قلت لى، فقال:
يا عمر: (ما آتاك اللّه من هذا المال، عطاء من غير أن تعرض له، أو تشرف له
[١] - اللحم الغريض: الطرى.
[٢] - خبز الحوارى: الدقيق الأبيض.
[٣] - قبيصة بن ذؤيب الخزاعى، صحابى من الفقهاء و الوجوه ولد فى حياة النبى صلى اللّه عليه و سلم و كان على خاتم عبد الملك بن مروان بالشام توفى بدمشق سنة ٨٦ ه( الأعلام ٥/ ١٨٩).
[٤] - لعل المقصود هنا( عمير بن سعد) فهو من تنطبق عليه هذه الصفات الواردة فى النص و التي سبق الحديث عن مثلها فى الباب السابق لهذا الباب.
[٥] - لا أرب لى فيها: لا حاجة لى فيها.