سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٧٣ - الباب الموفى خمسين فى سيرة السلطان فى تدوين الدواوين و فرض الأرزاق و سيرة العمال
مأدومة بسمن، و أحيانا بزيت، و أحيانا باللبن، و ربما وافقنا القديد[١] اليابس قد دقّ، ثم أغلي عليه بماء، و ربما وافقنا اللحم الغريض[٢]، و هو قليل، فقال لهم يوما: إنى أرى و الله تقذيركم و كراهيتكم لطعامى، فإنى لو شئت لكنت أطيبكم طعاما و أرقّكم[٣] عيشا، أما و اللّه ما أجهل كراكر[٤] و أسمنه[٥] و أعرف صلاء، و صنايا، و صلائق. قال: و الصلاء: الشواء، و الصناب:
الخردل، و الصلائق: الخبز الرقاق- و لكنى سمعت اللّه تعالى عيّر أقواما بأمر فعلوه فقال: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها [الأحقاف: ٢٠] فكلمنا أبو موسى فقال: لو كلّمتم أمير المؤمنين لفرض لكم من بيت المال طعاما فأكلتموه، فكلّمناه، فقال: يا معشر الأمراء، هل ترضون لأنفسكم ما أرضاه لنفسى؟ فقلنا: يا أمير المؤمنين، إن المدينة أرض، العيش بها شديد، و لا نرى طعامك يغنينا، و لا يؤكل طعامك، و إنا بأرض ذات ريف، و إن أميرنا يغنينا، و إن طعامه يؤكل.
قال: فنظر ساعة ثم رفع رأسه و قال: قد فرضت لكم من بيت المال شاتين و جريبين، فإذا كان بالغداة فضع إحدى الشاتين على إحدى الجريبين و كل أنت و أصحابك، ثم ادع بشراب، ثم اسق الذى عن يمينك، ثم اسق الذى عن شمالك، ثم قم لحاجتك، و إذا كان العشاء، فضع الشاة الغابرة[٦] على الجريب الآخر، فكل أنت و أصحابك، إلا و أوسعوا الناس فى بيوتهم، و أطعموا عيالهم، و الله ما أظن رستاقا[٧] يؤخذ منه كل يوم شاتان و جريبان، إلا يسرعان فى خرابه.
و كان عمر قد أطعم جريبين بالخل و الزيت لثلاثين رجلا فكفاهم، فأجراه على كل رجل فى كل شهر، ممن كان فى الديوان، مكان ما كانت فارس تجرية على خيولهم و أساورهم[٨].
[١] - القديد: اللحم المقطع.
[٢] - اللحم الغريض: الطرى.
[٣] - أرقكم عيشا: أرغدكم و أهنأكم.
[٤] - الكراكر: مفردها كركرة و هى صدر كل ذى خف من البهائم.
[٥] - السنام: حدبة فى ظهر الإبل.
[٦] - أى الشاة الباقية.
[٧] - الرستاق: كلمة فارسية معربة و تعنى السواد أو الصف من الناس أو السطر من النخل.
[٨] - الأساور: تعنى عند الفرس القادة أو الفرسان الذين يرمون بالسهام.