سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٥٧ - فصل فى ميزانية فرعون مصر و كيفية التصرف فيها
يرحمنى، بعد ما كنت مغبوطة أهل مصر كلها، صرت مرحومتهم، بل محرومتهم، هذا جزاء المفسدين.
فبكى يوسف ٧ بكاء شديدا و قال لها: هل بقى فى قلبك من حبك إياى شيء؟ فقالت: و الذى اتخذ إبراهيم خليلا، لنظرة إليك أحبّ إلىّ من ملء الأرض ذهبا و فضة.
فمضى يوسف ٧ و أرسل إليها: إن كنت أيّما[١] تزوجناك، و إن كنت ذات بعل أغنيناك، فقالت للرسول: الملك أعرف بالله من أن يستهزئ بى، هو لم يردنى فى أيام شبابى و جمالى، فكيف يقبلنى و أنا عجوز عمياء فقيرة؟ فأمر بها يوسف ٧، فجهّزت فتزوجها، و أدخلت عليه، فصفّ قدميه و جعل يصلى، و دعا الله باسمه الأعظم، فردّ الله تعالى عليها شبابها و جمالها و بصرها كهيئتها يوم راودته، فواقعها فإذا هى بكر، فولدت له أفراثيم بن يوسف، و ميشا بن يوسف، و طاب فى الإسلام عيشهما حتى فرق الدهر بينهما.
فيجب للقويّ أن لا ينسى الضعيف، و للغنيّ أن لا ينسى الفقير، فربّ مطلوب يصير طالبا، و مرغوب إليه يصير راغبا، و مسئول يصير سائلا، و راحم يصير مرحوما.
فهذا يوسف الصديق ٧، أنظر إلى ضعفه فى يد إخوته يوم الجب، ثم ضعفهم بين يديه يوم الصاع.
و هذه زليخا ملكة مصر و سيدة أهلها، عادت تتكفّف الناس فى الطرقات، قال الله تعالى: وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها [الأعراف: ١٣٧]، فكان يوسف ٧ بعد هذا، يجوع و يأكل خبز الشعير، و لا يشبع، فقيل له: أ تجوع و بيدك خزائن الأرض؟ قال:
أخاف أن أشبع فأنسى الجائعين.
و قد رأيت أن ألحقه بمنقبة[٢] فى مثلها يتنافس العقلاء، و يرغب فيها
[١] - الأيّم: من لا زوج لها سواء كانت تزوجت من قبل أم لا.
[٢] - منقبة: مفخرة و فعل كريم.