سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٥٦ - فصل فى ميزانية فرعون مصر و كيفية التصرف فيها
فهذه سيرة من لا يعرف اللّه، و لا يرجو لقاءه، و لا يخاف عذابه، و لا يؤمن بيوم الحساب، فكيف يجب أن تكون سيرة من يقول: لا إله إلا الله، و يوقن بالحساب و الثواب و العقاب؟!
و قال ابن عباس رضى الله عنهما، فى قوله تعالى: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥] قال: هى خزائن مصر، و كانت أربعين فرسخا فى مثلها، و لم يطع يوسف فرعون، و يخلفه و ينوب عنه إلا بعد أن دعاه إلى الإسلام فأسلم. فحينئذ قال: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ.
و لما استوثق أمر يوسف الصدّيق ٧ و كمل، و صارت الأشياء إليه، و أراد ربك أن يعوضه على صبره، لمّا لم يرتكب محارمه، و حلّت سنون الغلاء و الجوع، مات العزيز[١]، و ذهبت الذخائر، و افتقرت زليخا[٢]، و عمى بصرها، و جعلت تتكفف الناس، فقيل لها: لو تعرضت للملك لعله يرحمك و يغنيك فطالما حفظنيه و أكرمتيه، ثم قيل لها: لا تفعلى، لأنه ربما يتذكر ما كان منك إليه، من المراودة و الحبس، فيسيء إليك و يكافئك فيما سبق منك إليه، فقالت: أنا أعلم بحلمه و كرمه، و جلست له على رابية فى طريقه يوم خروجه، و كان يركب فى زهاء مائة ألف من عظماء قومه و أهل مملكته، فلما أحسّت به قامت و قالت: (سبحان من جعل الملوك عبيدا بمعصيتهم، و جعل العبيد ملوكا بطاعتهم)، فقال يوسف: و من أنت؟ قالت: أنا التى كنت أخدمك على صدور قدميّ، و أرجّل جمّتك[٣] بيدى، و أكرم مثواك[٤] بجهدي، و كان منى ما كان، و ذقت وبال أمرى، و ذهبت قوتى، و تلف مالى و عمى بصرى، و صرت أسأل الناس فمنهم من يرحمنى، و منهم من لا
[١] - العزيز: عزيز مصر أو الوزير بها هو الذى اشترى يوسف ٧ بدراهم معدودة كما ذكر القرآن الكريم، و كان هذا الرجل يتسلم خزائن الأموال فى مصر قبل يوسف ٧ و اسمه« قطفير ابن روحيب»،( قصص الأنبياء- ابن كثير ص ٢١٥).
[٢] - زليخا: هى امرأة العزيز التى راودت يوسف ٧ عن نفسه قيل إنّ اسمها« زاعيل» و لقبها« زليخة» كانت فى غاية الحسن و الجمال و بنت أخت ملك مصر فى ذلك الوقت، و قد ذكر ابن كثير فى كتابه« قصص الأنبياء» أن ملك مصر قد أسلم على يد يوسف و أنه ولى يوسف مكان زوج زليخة و زوجه إياها بعد موته، فوجدها بكرا و انجبت له الأبناء و الله أعلم.( قصص الأنبياء- ابن كثير ص ٢٢٦).
[٣] - رجّل الشعر: سرّحه. الجمة: مجتمع شعر الرأس و هى أكثر من الوفرة و دون اللمة فى الطول.
[٤] - أكرم مثواك: جعل محل إقامتك كريما مرضيا.