سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٥٥ - فصل فى ميزانية فرعون مصر و كيفية التصرف فيها
و قال أبو رهم[١]: كانت أرض مصر أرضا مدبّرة[٢] حتى أن الماء ليجرى تحت منازلها و افنيتها، فيحبسوه كيف شاءوا، و يرسلوه كيف شاءوا، و ذلك قول فرعون: أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف: ٥١] و كان ملك مصر عظيما، لم يكن فى الأرض أعظم من ملك مصر، و كانت الجنّات بحافتى النيل متصلة، لا ينقطع منها شيء عن شيء، و الزرع كذلك من أسوان إلى رشيد، و كانت أرض مصر كلها تروى من ستّة عشر ذراعا لما دبّروا في جسورها و حافّاتها، و الزروع ما بين الجبلين من أولها إلى آخرها، و ذلك قوله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ. وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ. وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ [الدخان: ٢٥، ٢٦، ٢٧] و المقام الكريم:
المنابر و كان بها ألف منبر.
و قال عبد الله بن عمرو[٣]: استعمل فرعون هامان[٤] على حفر خليج سردوس[٥]، فأخذ فى حفره و تدبيره، فجعل أهل القرى يسألونه أن يجرى الخليج تحت قريتهم و يعطوه مالا، و كان يذهب به من قرية إلى قرية، من الشرق إلى الغرب، و من الشمال إلى القبلة، و يسوقه كيف أراد، فليس فى مصر خليج أكثر عطوفا منه، فاجتمع له من ذلك أموال عظيمة فحملها إلى فرعون و أخبره بالخبر، فقال له فرعون: إنّه ينبغى للسيد أن يعطف على عبيده، و يفيض عليهم من خزائنه و ذخائره، و لا يرغب فيما بأيديهم، ردّ على أهل القرى ما أخذت منهم، فردّ عليهم أموالهم.
[١] - أبو رهم: ورد في أسد الغابة أكثر من شخص بهذا الاسم منهم أبو رهم الغفارى الذى شهد أحدا و أصيب بسهم فى نحره فبصق عليه الرسول صلى اللّه عليه و سلم فبرئ و استخلفه رسول الله صلى اللّه عليه و سلم على المدينة مرتين و كان ممن حضر بيعة العقبة و منهم أبو رهم الأشعرى أخو أبو موسى الأشعرى.
[٢] - الأرض المدبّرة: أي الصالحة للزراعة، و الدبار: السواقي بين الزروع.
[٣] - عبد الله بن عمرو بن العاص من الصحابة المجاهدين روى كثيرا من الأحاديث عن رسول الله صلى اللّه عليه و سلم، اشترك فى الحروب و كان يضرب بالسيفين و حمل راية أبيه فى اليرموك و شهد صفين مع معاوية. و قد روى القصة التى بين أيدينا عن أبيه كما ذكر صاحب معجم البلدان ج ٣/ ٢٧٧.
[٤] - هامان: وزير فرعون، ورد ذكره فى القرآن الكريم.
[٥] - خليج سردوس: ورد فى معجم البلدان: ان خلجان مصر كانت سبعة على جوانبها الجنات و منها هذا الخليج الذى أمر فرعون هامان بحفره، و كان هامان يأتى أهل كل قرية يسألونه أن يجرى الخليج تحت قريتهم يعطونه مالا قال: و لا يعلم فى مصر خليج أكثر عطوفا منه( و القصة مذكورة في معجم البلدان ٣/ ٢٣٧).