سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٩٠ - و أما القسم الرابع و هو الصبر على ما نزل من مكروه
متوقعا لم يلف متوجعا، و من لم يشعر نفسه ما ذكرنا من أحوال الدنيا، و تقضي المسار، ثم الثواء[١] في اللحود، بين أطباق الترب و الجنادل[٢]، قد فارقه الأحباء، و هجره القرباء و البعداء، ألفته الحوادث وابقا[٣]، فسلبته الصبر، و ضاعفت عليه الأسى.
و قال ابن الرومي[٤]:
|
إنّ البلاء يطاق غير مضاعف |
فإذا تضاعف فهو غير مطاق |
|
و أنشدوا:
|
تعوّدت مسّ الضّرّ حتّى ألفته |
و أسلمني حسن العزاء إلى الصّبر |
|
|
و وسّع صدري للأذى كثرة الأذى |
و إن كنت أحيانا يضيق به صدري |
|
|
و حسّن لي يأسي من النّاس كلّهم |
لعلمي بصنع اللّه من حيث لا أدري |
|
و لبعض الأعراب:
|
تعزّ فانّ الصّبر بالحرّ أجمل |
و ليس على ريب الزّمان معوّل[٥] |
|
|
فلو كان يغني أن يرى المرء جازعا |
لنائبة أو كان يغني التّبذّل[٦] |
|
|
لكان التّعزّي عند كلّ مصيبة |
و نازلة بالحرّ أولى و أجمل |
|
|
فكيف و كلّ ليس يعدو حمامه |
و ما لامرئ عمّا قضى اللّه مرحل[٧] |
|
|
فإن تكن الأيّام فينا تبدّلت |
ببؤس و نعمى و الحوادث تفعل |
|
|
فما ليّنت منّا قناة صليبة |
و لا ذلّلتنا للّذي ليس يجمل[٨] |
|
|
و لكن وجدناها نفوسا كريمة |
تحمّل مالا تستطيع فتحمل |
|
|
وقينا بفضل اللّه منّا نفوسنا |
فصحّت لنا الأعراض و الناس هزّل |
|
[١] - الثواء فى اللحود: الإقامة فى القبور.
[٢] - الجنادل" الصخور العظيمة."
[٣] - وابقا: هالكا و منها الموبقات: المهلكات.
[٤] - ابن الرومى: على بن العباس بن جريج الشاعر الكبير الرومى الأصل ولد و نشأ ببغداد و مات مسموما من وزير المعتضد الذى كان ابن الرومى قد هجاه فهو لم يمدح أحدا من رئيس أو مرءوس إلا عاد و هجاه مات سنة ٢٨٣ ه.( الأعلام ٤/ ٢٩٧).
[٥] - ريب الزمان: صنوف الدهر.
[٦] - التبذّل: ترك الاحتشام و التصوّن.
[٧] - حمامه: أى ما قدّر و قضى عليه فيه.
[٨] - القناة عند العرب: القامة يقال صلب القناة: أى صلب القامة.( لسان العرب، باب: قوم).