سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٥٩ - الباب الثلاثون في الجود و السخاء و هذه الخصلة الجليل قدرها، العظيم موقعها الشريف موردها و مصدرها
طاويين[١]، فلمّا أصبحوا و نظر النبي صلى اللّه عليه و سلم إليهما، تبسم ثم قال: لقد عجب الله من فلان و فلانة هذه الليلة، و نزلت: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ[٢] [الحشر: ٩] الآية.
و قال أنس: أهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوية و كان مجهودا[٣]، فوجه به إلى جار له، فوجه به الجار إلى أهل بيت آخر، فتداولته سبعة أبيات، حتى عاد إلى الأول فنزلت وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ....
و قال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليروموك أطلب ابن عم لي، و معي شيء من ماء، و أنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به بين القتلى، فقلت:
أسقيك؟ فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص[٤] فقلت: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: آه فأشار هشام: أن انطلق إليه، فجئته فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى هشام فوجدته قد مات، ثم رجعت إلى ابن عمي، فإذا هو قد مات.
و روت عائشة رضي الله عنها، قالت: قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «السخي قريب من الله، قريب من الناس، بعيد من النار، و البخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، و الجاهل السخيّ أحبّ إلى الله من العابد البخيل»[٥].
و روي أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «ابن آدم، إنما لك من مالك، ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت»[٦].
و اعلم: أن السخاء على وجوه: سخاء في الدين، و سخاء في الدنيا، فالسخاء في الدنيا: البذل و العطاء، و الإيثار، و سماحة النفس، قال الله تعالى: وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩]، و علامته:
ترك الادخار، و بغض جمع المال، و تعاهد الإخوان، مسرورا قلبه بذلك.
[١] - باتا طاويين: أي جائعين.
[٢] - و الحديث صحيح رواه البخاري بلفظ شبيه في كتاب التفسير.
[٣] - مجهودا: فقيرا.
[٤] - هشام بن العاص بن وائل أخو عمرو بن العاص اسلم بمكة قديما كان شجاعا صالحا شهد الوقائع و قتل في اليرموك.
[٥] - الحديث: رواه البيهقي في شعب الإيمان عن جابر و الطبراني في الأوسط عن عائشة و رواه الترمذي في كتاب البر و الصلة باب ما جاء في السخاء رقم ١٩٦١ و قال: غريب( كنز العمال رقم ١٥٩٢٨).
[٦] - الحديث صحيح رواه مسلم في كتاب الزهد و رواه الترمذي في أبواب الزهد.