سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٤٥ - الباب الثامن و العشرون في الحلم
فقال: أخبرني عنه بثلاث. قال: كان لا يحرص، و لا يجهل، و لا يدفع الحقّ إذا نزل به. قال: فأخبرني عنه باثنتين. قال: كان يؤثر الخير، و يتوقّى الشر. قال:
فأخبرني عنه بواحدة. قال: كان أعظم الناس سلطانا على نفسه.
و قال أكثم بن صيفي: الغلبة و العزّ للحلم.
و قال الأحنف بن قيس: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال.
و صدق الأحنف، فإن من حلم كان النّاس أنصاره، كما روي أن رجلا أسرف في شتم بعض الأدباء، و هو ساكت، فحمى له بعض المارين في الطريق، و قال له: يرحمك الله: أ لا ننتصر لك؟ قال: لا، قال: و لم؟ و قال: لأني وجدت الحلم أنصر لي من الرجال، و هل حاميت فيّ إلا لحلمي؟
و قال رجل لعمرو بن العاص: و الله لأتفرغنّ لك، فقال له: الآن وقعت في الشّغل.
و قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: إنّ رجلا ممن كان قبلكم، استضاف قوما فأضافوه، و لهم كلبة تنبح، فقالت: و الله لا أنبح ضيف أهلي الليلة، فعوى جروها في بطنها، فبلغ ذلك نبيّا لهم، أو قيلا من أقيالهم[١]، فقال: مثل هذا مثل أمّة تكون بعدكم، يظهر سفهاؤها على حلمائها.
و قال الأحنف: إيّاكم و رأي الأوغاد[٢]، قالوا و ما رأي الأوغاد؟
قال: الذين يرون الصّفح و العفو عارا.
و سئل الأحنف عن الحلم، فقال: هو الذي تصبر عليه، و لست بحليم و لكنّي صبور.
و يروى أنّ المهلّب، نازعه رجل من كبار بنى تميم، فأربى[٣] على المهلب، و المهلب ساكت، فقيل له في ذلك فقال: كنت إذا سبّني، استحييت من سخف السّباب و غلبة اللئام و السّفلة، و كان إذا سبّني تهلّل وجهه، و شمخت نفسه، بأن ظفر بفضل القحة[٤]، و نبذ المروءة، و خلع ربقة الحياء، و قلة الاكتراث بسوء الثناء.
[١] - القيل: الملك أو الرئيس دون الملك، كان يلقب بذلك ملوك حمير.
[٢] - الوغد: الأحمق، الرذل و الدنيء.
[٣] - أربى: زاد و أفحش في الكلام.
[٤] - القحة: القحة- بكسر القاف- أو القحة- بفتحها- و هي الوقاحة و قلة الحياء.