سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٠٨ - فصل في ذم الدهاء و المكر
و سمعت أستاذنا: أبا الوليد[١] يحكي: أن رجلا استأذن على هارون الرشيد، و قال: إني أصنع ما تعجز الخلائق عنه. قال الرشيد: هات. فأخرج أنبوبة قصب فيها إبر عدّة، ثم وضع واحدة في الأرض، و قام على قدميه، و جعل يرمي إبرة إبرة من قامته، فتقع كل إبرة في عين الإبرة الموضوعة، حتى فرغ دستة[٢]، فأمر الرشيد بضربة مائة سوط، ثم أمر له بمائة دينار، فسئل عن جمعه بين الكرامة و الهوان، فقال: وصلته لجودة ذكائه، و أدّبته كي لا يصرف فرط ذكائه في الفضول.
و من زعم أن العقل المكتسب إذا تناهى لا يكون فضيلة، قال: لأن الفضائل هبات متوسطة بين فضيلتين ناقصتين، فما جاوز التوسّط، خرج عن حد الفضيلة، كالكرم الذي هو متوسط بين البخل و التبذير، و الشجاعة وسط بين التهوّر و الجبن.
و قالت الحكماء للإسكندر: أيها الملك: عليك بالاعتدال في كل الأمور، فإن الزيادة عيب و النقصان عجز.
و في الحديث: أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «خير الأمور أوسطها»[٣].
و قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: خير الأمور الأوسط، إليه يرجع العالي، و منه يلحق التالي.
قالوا: و لأن زيادة العقل تفضي بصاحبها إلى الدهاء و المكر و ذلك مذموم.
قلنا: هذا كله باطل بما قدّمناه لنصرة القول الأول، و هو منقوض بالعقل الغريزي، و بالعلوم، و بسائر الفضائل.
و أما قولهم: أنه يفضي بصاحبه إلى الدهاء و المكر.
فقلنا: الدهاء و المكر كسب معان أخر غير العقل، ليست من لوازم العقل، فإن شاء تداهى و مكر، و إن شاء كف كما تقول:
[١] - هو أبو الوليد الباجي: القاضي و الفقيه الأندلسي المالكي، و الذي صاحبه الطرطوشي و أخذ عنه مسائل الخلاف و قد سبقت ترجمته.
[٢] - دستة: لعبه.
[٣] - الحديث: رواه البيهقي في شعب الإيمان عن بعض الصحابة( كنز العمال ج ١٠/ رقم ٢٨٦٥٨) و ذكره القرطبي في تفسير قوله تعالى وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً دون ذكر الراوي( الجامع لأحكام القرآن- القرطبي ٢/ ١٠٤).