سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٠٧ - فصل في ذم الدهاء و المكر
و الموصوف بالدهاء و المكر مذموم، و صاحبه محذور، تخاف غوائله[١]، و تحذر عواقب حبائله[٢].
و قد أمر عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أبا موسى الأشعري[٣] أن يعزل زيادا عن ولايته، فقال زياد: أ عن موجدة[٤] أو خيانة يا أمير المؤمنين؟
قال: لا عن واحدة منهما، و لكن كرهت أن أحمل الناس على فضل عقلك.
و كتب زياد إلى معاوية- رضي الله عنه- إن العراق في شمالي و يميني فارغة، فولّنى الحجاز أكفك أهله، فبلغ ذلك ابن عمر، فقال: اللهم اكفه، فطعن في إصبعه بعد أيام، فمات.
فنحن و إن كنا نرغب عن الدهاء و المكر[٥]، فإنا نرغب في الحيلة و نرضى بها، و الاتساع في الحيلة مما تواصى به العقلاء قديما و حديثا، و ليس شيء من أمور الدنيا لطالب الرفعة، و باغي الوسيلة، و مرتاد أي أمر كان، دق أو جل، خيرا من الحيلة، و أضعف الحيلة أنفع من كثرة الشدة.
و قالت الحكماء: ملاك العقل: الحيلة و التأني للسبب الضعيف و القوي من الأمور.
و روي أن رجلا وقف لكسرى، فقال: أنا أصنع ما تعجز الخلائق عنه، قال:
ما هو؟ قال: يشدّ برجلي حبل، طرفه برقبة الفيل، و برجلي الأخرى كذلك، و يشدّ طرفه برقبة الفيل، ثم يساق الفيل بالضرب و الزجر فلا أتزحزح. ففعل ذلك فتمت حيلته، ثم طلب أن يفعل ذلك بأربع من الفيلة فمرت بحدتها، فقسموه شطرين، فقال كسرى: و من لم يكن أكبر ما فيه عقله، هلك بأكبر ما فيه، فنظمه بعض الشعراء و قال:
|
من لم يكن أكبره عقله |
أهلكه أكبر ما فيه |
|
[١] - الغوائل: الدواهي و الشر و الحقد الباطن.
[٢] - الحبائل: مفردها الحبالة و هي المصيدة.
[٣] - أبو موسى الأشعري: عبد الله بن قيس، أسلم بمكة و هاجر للحبشة، ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه على البصرة سنة ٢٠ ه، فتح الأهواز ثم انتقل إلى مكة و مات بها سنة ٤٤ ه.( الأعلام ٤/ ١١٤).
[٤] - الموجدة: الغضب.
[٥] - نرغب عن الدهاء و المكر: أي نرفضهما و لا نرضى بهما.